5 نوفمبر 2026
المرصدنيوز/كتب / سامي عطا
حين وصف سمير أمين الديمقراطية الأمريكية في كتابه “ الفيروس الليبرالي “ بـ “ ديمقراطية السقف الواطئ ” ، لم يكن يصف عَرَضاً عارضاً ولا خللاً قابلاً للإصلاح، بل كان يشير إلى بنية دائمة صُمم النظام الأمريكي على أساسها منذ اللحظة التأسيسية الأولى. فالصندوق الانتخابي الأمريكي لا ينظم مشاركة شعبية في الحكم، بل ينظم “ التنافس على السلطة بين حزبين يمثلان مصالح الأثرياء ولا خيار ثالث ” . والسقف ليس واطئاً لأنه انخفض مؤخراً، بل لأنه وُضع من البداية ليبقي الشعب خارج غرفة القرار.
الآباء المؤسسون ـ العداء المُعلن للديمقراطية
من المفارقات الكبرى أن الأمة التي تُقدِّم نفسها اليوم “ منارة للديمقراطية ” تأسست على يد نخبة كانت معادية للديمقراطية بشكل صريح وموثق. جيمس ماديسون، المهندس الرئيسي للدستور، لم يخفِ أن ما يميز “ الحكومة الأمريكية ” هو “ الاستبعاد التام للشعب، في قدرته الجماعية، من أي حصة ” في الحكم. وجورج ماسون حذر في المؤتمر الدستوري عام 1787 من أن هذه الحكومة “ ستبدأ بأرستقراطية معتدلة ” ولا يمكن التنبؤ بما إذا كانت ستنتج ملكية أو “ أرستقراطية فاسدة وقامعة ”. لقد صُمم النظام، عن قصد، ليكون جمهورية نخبوية لا ديمقراطية شعبية. والسقف كان واطئاً منذ البداية: سلطة حقيقية لطبقة ملاك العبيد والتجار، ومشاركة شكلية لمن سواهم.
تشومسكي ـ “ بلوتوقراطية تتنكر في زي ديمقراطية ”
بعد أكثر من قرنين، لم يتغير الجوهر، بل ازداد وضوحاً. يلخص نعوم تشومسكي الحالة الأمريكية بعبارة قاطعة: “ أمريكا بلوتوقراطية تتنكر في زي ديمقراطية شكلية” ( حكم الأثرياء المتخفي في زي ديمقراطية رسمية ). ويشرح أن التأثير السياسي لا يزداد إلا بالانتقال إلى قمة السلم الاجتماعي: “ بالانتقال صعوداً في سلم الدخل، يزداد التأثير ببطء، لكنه لا يصبح ذا أثر حقيقي إلا عند القمة ”. وهكذا يتحول “ حكم الشعب ” إلى حكم الأثرياء ( plutocracy )، بينما تبقى الأشكال الديمقراطية (الانتخابات، البرلمان، الأحزاب) مجرد قشرة خارجية لا تمس جوهر توزيع السلطة.
وفي كتابه « الدول الفاشلة: إساءة استخدام السلطة والاعتداء على الديمقراطية» ( الدول الفاشلة )، يذهب تشومسكي إلى أبعد من ذلك، فيصف الولايات المتحدة نفسها بأنها “ دولة فاشلة ” بالمعنى الديمقراطي: دولة “ تعاني من عجز ديمقراطي حاد، لديها أشكال ديمقراطية لكن بمضمون محدود” ( تتسم بأشكال ديمقراطية، لكن جوهرها محدود ). والدولة الفاشلة، بحسب تعريفه، هي التي “ لا تحمي مواطنيها من العنف وربما من الدمار نفسه ” ، والتي “تعتبر نفسها فوق القانون، محلياً كان أم دولياً ” . وهكذا تنقلب المفارقة: أمريكا التي تتدخل في “ الدول الفاشلة ” باسم نشر الديمقراطية، هي نفسها دولة فاشلة ديمقراطياً في نظر تشومسكي.
لا يقل إدوارد سعيد حدة في نقد “ المسرح الديمقراطي ” الأمريكي. ففي مقالته الشهيرة « أعيدوا إلينا ديمقراطيتنا» ، المنشورة في صحيفة الغارديان في أبريل/نيسان 2003، كتب أن الأمريكيين “ قد خُدعوا وكُذب عليهم في مسائل ذات أهمية دستورية قصوى ” ( لقد تعرض الأمريكيون للخداع والكذب عليهم في مسائل ذات أهمية دستورية بالغة الخطورة ). ويضيف: “ في مسائل ذات أهمية قصوى، انتهكت المبادئ الدستورية وكُذب على الناخبين. نحن من يجب أن نستعيد ديمقراطيتنا”.
بالنسبة لسعيد، ما حدث في أعقاب 11 سبتمبر وحرب العراق ليس مجرد “ تراجع ” في الديمقراطية، بل هو “فشل شبه تام في الديمقراطية ـ ديمقراطيتنا، لا ديمقراطية العراق ” ( هذا فشل شبه تام في الديمقراطية – ديمقراطيتنا، وليس ديمقراطية العراق ). ويصف كيف أن “ المعارضة اختفت من الإعلام السائد ” ، وأن أي منتقد “ صُنِّف كمعادٍ لأمريكا ” ، وأن قلة من الشخصيات العامة المنتقدة “ تعرضت رسائلهم الإلكترونية للغمر، وحياتهم للتهديد، وأفكارهم للتحطيم ”. وهكذا تتحول الديمقراطية الأمريكية إلى مسرحية يُعاد فيها تمثيل الإرادة الشعبية ثم تُبطل فوراً لصالح أجندات النخبة، بينما يُصادَر حق اختلاف في الرأي في الداخل باسم “ الوحدة الوطنية ”.
بورديو ـ “ الرأي العام لا وجود له ” والاستعمار الثقافي
يوجه بيير بورديو سهامه إلى الآلية الأعمق التي تجعل هذا المسرح ممكناً: العنف الرمزي والاستعمار الثقافي. في كتابه « الاستعمار الثقافي الأمريكي » ( مع لويك فاكانتو )، يحذر من “ أخطار الاستعمار الثقافي الأمريكي في العالم الفكري ” ، أي قدرة النموذج الأمريكي على فرض تصوراته عن “ الديمقراطية ” و” الرأي العام ” كمعايير عالمية محايدة، بينما هي في جوهرها أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة.
والأكثر إثارة للدهشة أن بورديو يذهب إلى أن “ الرأي العام ” ذاته “ لا وجود له ” ( الرأي العام « غير موجود » ) بالمعنى الديمقراطي التمثيلي. فما يُقدَّم على أنه “ إرادة الشعب ” هو في الغالب نتاج لعلاقات القوة الرمزية التي تكرّس هيمنة الطبقات المهيمنة. وبعبارة أخرى: حتى “ الصوت الشعبي ” الذي يُفترض أن يملأ صندوق الاقتراع هو نفسه مُصنَّع عبر آليات ثقافية وإعلامية لا يتحكم بها الشعب. وهكذا لا يقتصر الواطئ في السقف على المؤسسات السياسية، بل يمتد إلى الوعي ذاته الذي يُفترض أنه يصوّت.
جيجيك ـ الديمقراطية الليبرالية كشكل من أشكال الاستبداد
يكمل الفيلسوف التشيكي سلافوي جيجيك الصورة من زاوية ماركسية معاصرة. يرى أن السؤال السياسي المركزي اليوم ليس “ أي ديمقراطية نريد؟ ”، بل: “ هل تمثل الديمقراطية الرأسمالية-الليبرالية الأفق الأقصى لممارستنا السياسية بالفعل، أم أننا نستطيع بيان حدودها وفتح المجال أمام بديل سياسي آخر؟ ”. بالنسبة لجيجيك، الديمقراطية الليبرالية ليست نهاية التاريخ، بل هي شكل تاريخي محدد يرتبط ارتباطاً بنيوياً بالرأسمالية، ويحمل في داخله تناقضاتها.
وفي تحليله، يرى جيجيك أن “ الرأسمالية العالمية كأساس للأنظمة الديمقراطية تحمل في داخلها سمات أصولية قوية ” ، وأن الديمقراطية الليبرالية قد تكون الشكل الذي يتخذه الاستبداد في العصر الرأسمالي المتأخر. وهو يشير إلى أن “ الاتفاقيات الاقتصادية الدولية غير الشفافة تهدد الديمقراطية ” ، حيث تُتخذ قرارات مصيرية في غرف مغلقة بعيداً عن أي رقابة شعبية. وهكذا، حتى في اللحظات التي يبدو فيها الصندوق الانتخابي فعالاً، فإن القرارات الاقتصادية الكبرى ـ التي تحدد حياة الملايين ـ تُصنع خارج أي عملية ديمقراطية.
الكسي توكفيل ـ من “ الاستبداد الناعم ” إلى “ طغيان الأغلبية “
حتى ألكسيس دي توكفيل، الذي غالباً ما يُستشهد به كمدافع عن الديمقراطية الأمريكية، حذر في « الديمقراطية في أمريكا » من أن الديمقراطية تميل إلى الانحدار إلى ما سماه “ الاستبداد الناعم” ( soft despotism )، وهو نوع جديد من الاستبداد “ خيّر وحمائي، لكنه لا يقل قوة وعداء للحرية ” ( نمطٌ جديدٌ من الاستبداد، يتسم بالرعاية والحماية، لكنه في الوقت ذاته لا يقلُّ قوةً ولا يقلُّ عداءً للحرية ). هذا الاستبداد الناعم لا يحتاج إلى قمع وحشي، بل يكفيه أن يُبقي الناس منفصلين، مشغولين، وغير قادرين على الفعل الجماعي.
ويضيف توكفيل خطراً آخر: “ طغيان الأغلبية” ( tyranny of the majority ). لكن المفارقة الأمريكية أن “ الأغلبية ” التي يخشاها توكفيل لم تعد أغلبية عددية، بل أصبحت أغلبية مالية: أقلية ثرية تفرض إرادتها عبر آليات تمويل الحملات والتلاعب بالدوائر الانتخابية، بينما يبقى “ الاستبداد الناعم ” هو الغلاف الذي يجعل هذا الهيمنة تبدو طبيعية وغير قابلة للنقاش.
1. تمويل الحملات الانتخابية وقرار “ Citizens United ” ( المواطنون المتحدون ): في عام 2010، قضت المحكمة العليا الأمريكية في قضية Citizens United v. FEC بأغلبية 5-4 لصالح “ الإنفاق السياسي غير المحدود تقريباً من قبل الشركات والأفراد الأثرياء ” . هذا القرار “ فتح الباب أمام الشركات والمليارديرات لإنفاق مبالغ غير محدودة للتأثير على انتخاباتنا، غالباً دون أن يعرف الجمهور من يقف وراءها ”. وصف أحد أعضاء مجلس الشيوخ القرار بأنه “ فتح الطوفان أمام الأموال المظلمة في سياساتنا ” . والنتيجة أن “ الفساد السياسي واسع النطاق ” أصبح السمة البنيوية للنظام، لا الاستثناء.
2. التلاعب بإعادة تقسيم الدوائر ( التلاعب بالدوائر الانتخابية ): وهي ممارسة “ قديمة قدم الدستور الأمريكي نفسه ” تقريباً. تُعاد رسم الدوائر الانتخابية لضمان فوز حزب معين، بحيث “ يختار السياسيون ناخبيهم بدلاً من أن يختار الناخبون سياسييهم ”. وفي السنوات الأخيرة، تحولت هذه الممارسة إلى “ حرب تسلح” ( سباق التسلح ) بين الحزبين، حيث قامت ولايات يسيطر عليها الجمهوريون بإعادة رسم دوائرها، وردّت ولايات أخرى بالمثل. وهكذا تُصبح النتائج الانتخابية محددة سلفاً قبل أن يذهب أي ناخب إلى صندوق الاقتراع.
3. المجمع العسكري الصناعي: في عام 1961، حذر الرئيس دوايت أيزنهاور في خطاب وداعه من “مجمع صناعي عسكري” قد “ يُشوّه الأولويات الوطنية ويقوّض القيم الديمقراطية ”. وبعد أكثر من ستة عقود، تحول هذا التحذير إلى واقع مكتمل: “ تحوّل الجيش الأمريكي من مجرد ‘زبون’ يشتري العتاد إلى جزء عضوي من ‘ضفيرة’ وجودية معقدة، تكتّل داخلها العملاق الصناعي، وماكينة الحرب، ومختبرات البحث والتطوير ”. والأرقام تتحدث: “ أنفقت شركات الدفاع الكبرى أكثر من 87 مليون دولار على التبرعات السياسية لأعضاء الكونغرس خلال السنوات الثماني الماضية ” فقط. وصف أحد الخبراء هذا الوضع بأنه “فساد مُقنَّن”. وهكذا، بينما يتنافس الحزبان على “ السلطة ”، تبقى أولوية الإنفاق العسكري فوق أي نقاش ديمقراطي حقيقي.
السقف الذي لا يعلو
ما يجمع هذه القراءات ـ من سمير أمين إلى تشومسكي، ومن سعيد إلى بورديو وجيجيك وتوكفيل — هو إدراك أن المشكلة الأمريكية ليست في “ خسارة الديمقراطية ” أو “ تراجعها ”، بل في أنها لم تكن ديمقراطية قطّ بالمعنى الذي يليق بالاسم. الدستور صُمم لاستبعاد الشعب، والانتخابات أُريد لها أن تكون مسابقة بين ممثلي الثروة، وقرار حوّل المال إلى صوت انتخابي يتلاعب بالدوائر الانتخابية ويحدد النتائج سلفاً، والمجمع العسكري الصناعي يضع الحرب خارج أي رقابة ديمقراطية، والإعلام يحوّل الصراع الطبقي إلى صراع هوياتي، والحرب تُخاض باسم “ نشر الحرية ” بينما الحرية ذاتها تُصادَر في الداخل.
ديمقراطية السقف الواطئ ” ليست وصفاً لحالة طارئة، بل هي البنية الدائمة للنظام الأمريكي. والسؤال ليس “ كيف نرفع السقف ؟ ”، بل هل يمكن لسقف وُضع أصلاً ليبقي الشعب خارج الغرفة أن يُرفع يوماً؟ الإجابة، من خلال كل هذه القراءات، هي أن رفع السقف يتطلب تغيير الغرفة نفسها ـ لا إصلاح انتخابي هنا أو هناك، بل إعادة بناء كاملة لعلاقة السلطة بالمال وبالشعب. وهذا ما يجعل النقد الأمريكي للديمقراطية ليس نقداً إصلاحياً، بل نقداً جذرياً يطال الأسس ذاتها التي قام عليها “ الحلم الأمريكي ”.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد