المناضل الكبير علي سالم البيض… مرثية رجلٍ صدّق الحلم حتى النهاية

شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم

مـــصـــطــفـــى بن خالد

المناضل الكبير علي سالم البيض… مرثية رجلٍ صدّق الحلم حتى النهاية

حين يموت الكبار، لا تمتلئ الأرض بالضجيج
بل بالصمت.
صمتٌ يشبه الوقوف أمام بحرٍ واسع؛ تعرف أنه جميل،
وتعرف في الوقت نفسه أنه ابتلع أحلاماً كثيرة.

برحيل علي سالم البيض، لا يودّع اليمن رجلاً فقط،
بل يودّع أحد آخر شهود الحلم الكبير؛
الحلم الذي اسمه وطن،
والذي كُتب مرة بيدٍ ثابتة، ثم تُرك طويلاً في مهبّ الريح.

لم يكن البيض ملاكاً،
ولا كان عابراً في هوامش اللحظة،
بل رجلاً من لحم السياسة ووجعها،
من تلك الفصيلة التي تدخل التاريخ من بابه الواسع
ثم تدفع ثمن الدخول عمراً كاملاً.

حين كان الجنوب يفكّر… لا يخاصم

جاء علي سالم البيض من جنوب الوطن لم يكن يبحث عن ثأر،
بل عن معنى.
جنوبٍ تشكّلت نخبه على فكرة الدولة قبل فكرة الغلبة،
وعلى التنظيم قبل الفوضى،
وعلى أن السياسة مشروع مجتمع لا غنيمة سلطة.

هناك تعلّم أن القيادة ليست مهارة خطاب،
بل قدرة على حماية الناس من أسوأ ما في السياسة.
وأن القائد لا يُقاس بعدد من يصفّقون له،
بل بعدد الذين ينامون مطمئنين لأنه موجود.

لم يكن طريقه إلى السلطة زينة شخصية،
بل ثمرة زمنٍ كان يفرز رجاله بصرامة.
وحين وصل،
كان يعرف أن التاريخ لا يفتح أبوابه للمتردّدين.

22 مايو… اليوم الذي صدّق فيه اليمن نفسه

في الثاني والعشرين من مايو 1990
لم تكن صنعاء وعدن مدينتين فقط،
بل فكرتين تتصافحان بعد عمرٍ من الريبة.

في ذلك اليوم وقف البيض أمام لحظة نادرة:
لحظة أن تؤمن بأنك تستطيع أن تكون أكبر من خوفك.
وقّع على الوحدة الاندماجية
لا لأن الخيارات الأخرى كانت معدومة،
بل لأنه آمن أن الوطن لا يولد ناقصاً،
وأن الدولة لا تُبنى بأنصاف الحلول حين تكون الإرادة كاملة.

كان قراراً جريئاً،
والقرارات الجريئة لا تحبّها السياسة كثيراً،
لكنها تحترمها لاحقاً… حين تهدأ العواصف.

الوحدة التي خرجت عن نصّها

ما أقسى أن ترى حلمك يُدار بغير اليد التي كتبته.
أن تتحوّل الشراكة إلى ميزان مختل،
وأن يصبح الوطن أقرب إلى غنيمة
منه إلى عقدٍ أخلاقي بين شركاء متساوين.

لم يكن الخلاف على اليمن،
بل على كيف يكون اليمن.
على معنى الدولة:
أهي بيت الجميع، أم خيمة الغالب؟

هنا بدأ الشرخ؛
ليس في الفكرة بل في الممارسة،
ليس في الحلم بل في من أمسكوا به بعد أن وُلد.
وكان البيض يرى – وربما بمرارة مكتومة –
أن الوحدة التي جاءت لتلغي الغلبة
تُستخدم لإعادة إنتاجها.

الخروج من صنعاء… لحظة الانكسار الصامت

لم يخرج من صنعاء صارخاً،
ولا هارباً،
بل مثقلاً بخيبة رجل اكتشف أن التاريخ
لا يكافئ دائماً من يصنعه.

كانت تلك اللحظة بداية سردية جديدة؛
تحوّل فيها من شريك دولة إلى خصم سياسي،
ومن رجل داخل القرار إلى رجلٍ يطارده القرار.
وهناك انقسمت حوله الذاكرة اليمنية،
كما تنقسم دائماً حول الرجال الكبار.

المنفى… حين يصير الوطن فكرة خالصة

المنفى ليس مكاناً،
إنه امتحان طويل للصدق.

هناك لم يعد يملك جغرافيا،
لكنه امتلك خطاباً وموقفاً وذاكرة لا تشيخ.
صار الوطن عنده فكرة مجردة؛
تُحمل على الكتف مثل وصية،
وتُجادل مثل سؤال مفتوح.

في المنفى تحوّل إلى رمز لدى البعض،
وإلى خصم دائم لدى آخرين،
لكن أحداً لم يستطع إنكار أنه
ظل حاضراً في السؤال اليمني
حتى وهو بعيد.

الإنصاف… ما الذي يبقى بعد أن يهدأ الغبار؟

بعد الموت لا يعود السؤال: من كان على حق؟
بل: من كان صادقاً مع ما آمن به؟

والصدق هنا لا يعني العصمة،
بل الجرأة على اتخاذ القرار
في لحظة كان ثمن القرار فيها غالياً.

هل أخطأ علي سالم البيض؟
نعم.
هل أصاب؟
نعم.
هل كان رجل وحدة؟
نعم… دون مواربة.

الإنصاف لا يكون بمحو الأخطاء
ولا بتقديس التجربة،
بل بالاعتراف أن الرجل كان جزءاً من محاولة كبرى
لبناء وطن، لا من مؤامرة لتفكيكه.

الرحيل… حين يعود السؤال أكبر من الأجوبة

برحيل علي سالم البيض لا تُغلق الصفحة،
بل تُعاد قراءتها بهدوء.

هل فشلت الوحدة؟
أم فشلت إدارتها؟
الوحدة لم تفشل
بل فشلت إدارتها.

هل كان الحلم ساذجاً
أم كان الواقع أقسى من أن يحتمله؟
بل كان حلماً نبيلاً صادقاً

أسئلة كثيرة لا تُطرح للخصومة،
بل للتعلّم.

الخلاصة:
… رثاء وطن في هيئة رجل

رحل المناضل اليمني الجسور
علي سالم البيض،
ورحل معه شيء من تلك البراءة السياسية
التي صدّقت أن التوقيع يكفي،
وأن النوايا الحسنة يمكن أن تحمي الأوطان وحدها.

لم يكن كاملاً،
لكنه كان صادقاً مع لحظته.
ولم يكن بلا أخطاء،
لكنه لم يكن بلا حلم.

رحم الله علي سالم البيض،
الرجل الذي وقّع على وطنٍ
أكبر من عمره،
وأثقل من طاقته،
وأصدق من كل ما تلاه.

ويبقى اليمن…
ذلك الحلم الذي لا يموت ابداً،
لكنه ينتظر
من يجرؤ أن يحمله
دون أن يكسّره.

 

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + ثمانية عشر =