المرصدنيوز/بقلم: عبدالإله عطشان
بين طيات الزحام اليومي وفي المساحات التي يُفترض أن تكون ملكاً للجميع تبرز ظاهرة سلبية تتجاوز حدود الحرية الشخصية لتعتدي بصلف على حق الآخرين في الحياة إنها سيجارة تُشعل في حافلة عامة أو في ممر مستشفى أو وسط حشد من الناس فعلٌ قد يراه فاعله عابراً أو تنفيساً عن ضغطٍ ما لكنه في الحقيقة رصاصة هوائية تُصوب نحو صدور الأبرياء مسببةً لهم من الأذى ما لا تدركه عيون الغافلين
إن المأساة الحقيقية تكمن في ذلك الصراع الصامت بين شخص اختار بعناية أن يحافظ على جسده يمارس الرياضة ويحتمي من الملوثات وبين مدخن يفرض عليه استنشاق سموم كيميائية مركزة في مكان عام هذا التدخين القسري ليس مجرد رائحة مزعجة أو سحابة دخان عابرة بل هو عملية حقن قهرية لآلاف المواد المسرطنة في رئتي طفل أو شاب أو مسن أو مريض يعاني بصمت العلم لا يحابي أحداً فالدراسات الطبية تؤكد أن الجلطات المفاجئة وأمراض القلب التاجية والسرطانات الفتاكة لا تطرق أبواب المدخنين فحسب بل تقتحم بيوت وصدور أولئك الذين صادفوا مدخناً مستهتراً في وسيلة مواصلات أو أحد المرفقات
من المثير للدهشة والأسى أن نرى سيجارة تشتعل في حرم المستشفى المكان الذي يُفترض أن يكون محراباً للشفاء وقدسية الحياة كيف يستقيم لعقل أن يبحث عن العلاج في الداخل بينما يوزع الموت في الخارج على هيئة دخان؟ إن غياب احترام القوانين المنظمة للتدخين في الأماكن العامة يعكس أزمة وعي عميقة وتجاهلاً صارخاً لمفهوم المواطنة الصالحة التي تقتضي ألا ينتهي حقك عند بداية حق الآخر في استنشاق هواء نقي
إن المسؤولية اليوم لا تقع فقط على عاتق الجهات الرقابية لفرض الغرامات الصارمة بل هي مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى على كل مدخن أن يدرك أن لحظة استمتاعه الزائفة قد تكون هي السبب المباشر في حرمان أسرة من عائلها بسبب جلطة غادرة أو إصابة طفل بربو مزمن سيرافقه طوال حياته نحن بحاجة إلى ثورة وعي تعيد للمكان العام هيبته وتجعل من التدخين وسط الجموع فعلاً مخجلاً ومنبوذاً اجتماعياً قبل أن يكون مجرماً قانونياً
إن الحفاظ على الصحة العامة ليس ترفاً بل هو أساس لنهضة أي مجتمع والسكوت عن هذا الانتهاك الصارخ لحقوق غير المدخنين هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة لنتذكر دائماً أن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين ولا حرية أغلى ولا أسمى من حق الإنسان في أن يتنفس دون أن يخشى الموت مع كل شهيق.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد