صنعاء سِفْرُ الطينِ وتَرْنيمةُ الغَمام

المرصدنيوز/بقلم /عبدالإله عطشان

حين يتحدث المرء عن صنعاء القديمة فهو لا يستحضر مدينةً من حجر وطين بل يستنطق قصيدةً أزلية نُحتت في خاصرة التاريخ ويستقرئ متحفاً حياً عصياً على الانحناء لسطوة العصور فهي فاتنة اليمن ودرّة الشرق التي كلما أوغل السائح في ردهات أزقتها تراءى له الزمان وقد لجم خيله ليلتقط أنفاسه أمام هذا الجلال الباذخ هناك تتجلى عبقرية العمارة كنسيج من الدانتيل الفريد حيث لا تنهض المباني كمجرد كتل صماء بل كشهاداتٍ بصرية صاغها الأسطى اليمني القديم بمدادٍ من الطين والآجر المحروق فتتراص القصور السامقة كحراس أمينين لذاكرة المجد وتتوجها القمريات تلك العقود المرمرية التي تحيل ضياء النهار إلى ترانيم لونية وتستحيل في غسق الليل إلى مشكاواتٍ سماوية تجعل من المدينة ثريا معلقة في جوف العلاء في انتصار سرمدي للروح على المادة وتحويلٍ للآجر البسيط إلى وشاحٍ قشيب مطرز بزخارف الجص الأبيض الناصع
​ولا تكتمل طقوس الحلول في محراب صنعاء إلا حين تجود السماء بغيثها فللمطر في حضرة سام مذاق يعيد صياغة الروح ورائحة عبهرية تمزج أنفاس الأرض بعراقة التراب العتيق فقبل الهطول تتدلى الغيوم الأرجوانية كستائر من مخمل تلامس تيجان الجبال ويسود صمت صوفي لا يقطعه إلا زجل الريح حتى إذا حانت لحظة العناق الحميم انهمر المطر يغسل رصيف القرون ويجري في سائلة المدينة كأنه نهر من لؤلؤٍ مذاب يضفي على المشهد حيوية أسطورية لتشرق صنعاء بعدها عروساً تتيه ببللٍ فاتن وتنفث مقاشمها عبير الريحان والشذاب ليتحد بشذا البن واللبان المنسل من الشرفات العالية وفي هذا الفضاء المفعم بالألفة ينساب الهواء كنسمات علوية تلامس الوجدان فتبدأ الصباحات بهديل ينساب من شقوق البيوت العتيقة وينساب المساء في سكينةٍ وقورة تخرقها تراتيل المآذن داعيةً الرائي للغوص في غمار هذا الإرث الإنساني المعجز إن صنعاء ليست حيزاً جغرافياً بل هي حالةٌ وجدانية وهي التي أجمع على عشقها الركبُ صائحين لا بد من صنعاء وإن طال السفر لكونها الملاذ الذي يمنحك يقين العودة إلى البيت الأول حيث الطين ينطق شعراً والمطر يغسل عن جبين الذاكرة تعب السنين.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =