عبدالغني درهم اليوسفي
مقدمة
تُعد مدينة سبتة إحدى أهم المدن ذات الأبعاد الجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، نظراً لموقعها الاستراتيجي عند المدخل الجنوبي لمضيق جبل طارق، ولما تمثله من تداخل بين الجغرافيا والتاريخ والقانون الدولي. وقد ظلت المدينة عبر قرون طويلة محل تنافس بين القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي جعلها من أبرز القضايا المرتبطة بإرث التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، ولا تزال حتى اليوم موضع تباين في المواقف السياسية والقانونية بين المملكة المغربية ومملكة إسبانيا.
أولاً: الموقع الجغرافي
تقع مدينة سبتة على الساحل الشمالي للمملكة المغربية في القارة الإفريقية، عند الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها نحو (18.5 كم²). وتشترك بحدود برية مع المغرب، بينما يفصلها البحر الأبيض المتوسط عن الأراضي الإسبانية في شبه الجزيرة الإيبيرية.
ومن المنظور الجغرافي البحت، تُعد سبتة جزءاً من المجال الطبيعي لشمال المغرب، وهو ما تؤكده الدراسات الجغرافية الحديثة التي تعتمد على معايير الموقع والتكوين الطبيعي والاستمرارية الإقليمية.
ثانياً: التطور التاريخي
شهدت سبتة تعاقب عدد من الحضارات، بدءاً بالفينيقيين والقرطاجيين، ثم الرومان الذين أطلقوا عليها اسم Septem Fratres. وبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي أصبحت المدينة جزءاً من الدولة الإسلامية، وتعاقبت عليها دول الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين.
وفي عام 1415م احتلت البرتغال مدينة سبتة، في أول توسع أوروبي كبير خارج القارة الأوروبية. وعندما اتحد تاجا البرتغال وإسبانيا بين عامي 1580 و1640 انتقلت إدارة المدينة إلى التاج الإسباني، ثم اعترفت البرتغال في معاهدة لشبونة لعام 1668 باستمرار تبعية سبتة لإسبانيا.
ومنذ ذلك التاريخ ظلت المدينة تحت الإدارة الإسبانية، حتى أصبحت بموجب الدستور الإسباني مدينة تتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1995.
ثالثاً: الوضع القانوني والسياسي
تخضع سبتة حالياً للإدارة والسيادة الفعلية لإسبانيا، وتعدها مدريد جزءاً لا يتجزأ من أراضي الدولة الإسبانية، وتستند في ذلك إلى استمرار الإدارة الإسبانية للمدينة منذ قرون وإلى تشريعاتها الدستورية.
في المقابل، تؤكد المملكة المغربية أن سبتة مدينة مغربية محتلة، وتعتبرها جزءاً من وحدة أراضيها الوطنية، وترى أن استمرار السيطرة الإسبانية يمثل بقاءً لإحدى آخر مظاهر الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا. وتستند الرباط في موقفها إلى الاعتبارات الجغرافية والتاريخية ومبدأ استكمال الوحدة الترابية.
ولم تُدرج الأمم المتحدة سبتة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي الخاضعة لتصفية الاستعمار، كما لم تصدر قرارات أممية تنص على وجوب إنهاء الإدارة الإسبانية للمدينة، الأمر الذي يجعل النزاع حولها يختلف قانونياً عن حالات أخرى خاضعة لآليات تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة.
رابعاً: الأهمية الاستراتيجية
تمثل سبتة موقعاً بالغ الأهمية في التحكم بالملاحة البحرية عبر مضيق جبل طارق، الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، ويمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية. كما تعد نقطة اتصال مباشرة بين القارتين الإفريقية والأوروبية، ومعبراً رئيسياً للهجرة والتبادل التجاري والتعاون الأمني.
خاتمة
تشكل مدينة سبتة نموذجاً بارزاً لتداخل الجغرافيا بالتاريخ والقانون الدولي. فمن الناحية الجغرافية تقع المدينة على الأراضي الإفريقية بمحاذاة الساحل المغربي، بينما تخضع فعلياً للإدارة الإسبانية. أما من الناحية السياسية والقانونية، فلا يزال وضعها محل اختلاف بين المغرب وإسبانيا، حيث يتمسك كل طرف بأسانيده التاريخية والقانونية، الأمر الذي يجعل سبتة إحدى أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيداً في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.
المراجع
ميثاق الأمم المتحدة، 1945.
معاهدة لشبونة بين إسبانيا والبرتغال، 1668.
دستور مملكة إسبانيا، 1978، وتعديلاته المتعلقة بالمدن ذات الحكم الذاتي.
الأمم المتحدة، اللجنة الخاصة المعنية بإنهاء الاستعمار (وثائق الأمم المتحدة).
Malcolm Barber, The Two Cities: Medieval Europe 1050–1320, Routledge.
Jamil M. Abun-Nasr, A History of the Maghrib in the Islamic Period, Cambridge University Press.
Hugh Kennedy, Muslim Spain and Portugal: A Political History of al-Andalus, Routledge.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد