محمود إبراهيم النقيب*
رصيدٌ جديد يُضاف إلى خانة حماية المستهلك، حتى وإن تحقق بعد حين.
قبل زهاء عقدين من الزمن، شكّلت وزارة الصحة العامة والسكان لجنة متخصصة عُرفت بـ “لجنة المغذيات الدقيقة”، والتي مثلت تحركاً لمواجهة مؤشرات صحية حذّرت حينها من ارتفاع معدلات الأنيميا وفقر الدم لتطال ما بين 60% و 70% من أفراد المجتمع. كان لا بد من حلول عاجلة، فجاء تشكيل اللجنة بتمثيل واسع ضمّ وزارة الصحة، الهيئة العليا للأدوية، هيئة المواصفات والمقاييس، صحة البيئة، وبمشاركة فاعلة من منظمات المجتمع المدني عبر الجمعية اليمنية لحماية المستهلك.
تركز عمل اللجنة على دراسة تدعيم السلع الأكثر استهلاكاً بالمغذيات الدقيقة، فوقع الاختيار على الدقيق والزيوت النباتية بكونهما المادتين الأساسيتين في القوت اليومي للمواطن. وبدعم من منظمة الصحة العالمية (WHO) واليونيسف، تقرر إضافة “الحديد وحامض الفوليك” للدقيق، وفيتامينات (A, D) للزيوت.
ورغم أهمية هذا التدخل الاستثنائي، إلا أنه ظل خياراً غير عملي على المدى الطويل؛ إذ كان الأجدى اتخاذ قرارات تمنع نزع قشرة حبة القمح (النخالة) والجنين أثناء الطحن، فهما الخزان الحقيقي للألياف، الفيتامينات (خصوصاً مجموعة B)، والمعادن كالزنك والمغنيسيوم. غير أن النمط الاستهلاكي السائد والدعاية التجارية وجّها الذائقة العامة نحو تفضيل “الدقيق الأبيض” على حساب الحبة الكاملة.
لم تتوقف جهود الجمعية والوزارة، بل خاضتا حراكاً متواصلاً لتغيير هذا السلوك الاستهلاكي، عبر ورش عمل ودعوات متكررة للتحول نحو “الدقيق المركب” (خلط القمح مع حبوب محلية كالذرة، الشوفان، أو الشعير)، إلا أن التفاعل الرسمي والشعبي ظل يتذبذب دون حسم.
التوجه العالمي: العودة إلى الأصل
في المقابل، تتجه العديد من دول العالم اليوم بخطى حثيثة نحو تعزيز استهلاك “الحبة الكاملة” وتنويع مصادر الكربوهيدرات، ليس فقط للحد من فقر الدم، بل للوقاية من أمراض العصر كـ (السكري من النوع الثاني، أمراض القلب، وسرطان القولون). وتتعدد اليوم خيارات إنتاج الخبز والصناعات الغذائية عبر قائمة غنية من الحبوب، أبرزها:
الشوفان: الغني بألياف “بيتا جلوكان” الخافضة للكلسترول.
الشعير: الممتاز لتنظيم مستويات السكر في الدم وتحسين الهضم.
الذرة والدخن: حبوب غنية بمضادات الأكسدة والحديد، ومناسبة لمن يعانون من حساسية الجلوتين.
الكتان والسمسم: للتدعيم بأحماض أوميغا 3 والألياف المضاعفة.
منجز وطني ورؤية مستقبلية
إن القرار الصادر بزيادة نسبة استخلاص القمح يُعد خطوة إيجابية وتاريخية بالاتجاه الصحيح، تحول هذه الرؤية الوطنية إلى واقع ملموس، وتشكل منجزاً وطنيا وصحياً بارزاً يُحسب لكل مَن أسهم في إخرجه إلى النور. وإننا اليوم أمام تحول حقيقي يمس صحة كل مواطن، مما يحتم علينا جميعاً ألا نتعامل مع هذا القرار كإجراء إداري عابر، بل كتحول استراتيجي نراهن عليه لبناء مجتمع أكثر صحة وحيوية.
ولضمان نجاح هذا القرار وتحقيق أهدافه، يجب أن تتظافر جهود كافة الجهات المعنية من قطاعات حكومية ومؤسسات إعلامية ومنظمات مجتمع مدني ومصنعين لتطبيق وتنفيذ هذا القرار على أرض الواقع، لما فيه المصلحة العامة للوطن والمواطن. إن النجاح لا يكتمل إلا بإستراتيجية تنفيذية صارمة تشمل برامج توعية مجتمعية مكثفة لتعريف المستهلك بالقيم الفيتامينية والألياف التي استُرجعت في هذا الدقيق، مع تقديم التسهيلات والتحفيز للمطاحن والمخابز للتكيف مع خطوط الإنتاج الصحي، وتشديد الرقابة الميدانية لمنع أي تلاعب بالمواصفات.
كما نأمل ونطمح أن يتم تعميم هذا النمط الاستهلاكي الصحي في عموم أرجاء البلاد، ليصبح ثقافة مجتمعية وشعبية راسخة تتجاوز حدود القرارات إلى ممارسات يومية في كل بيت ومخبز.
إن الإصرار على دعم زيادة الاستخلاص والتحول نحو الحبة الكاملة والدقيق المركب ليس مجرد إجراء تمويني، بل هو قرار إستراتيجي شجاع يهدف إلى حماية صحة المستهلك، وتعزيز الأمن الغذائي القومي، وتخفيف الفاتورة العلاجية على مستوى الفرد والدولة.
*الأمين العام السابق للجمعية اليمنية لحماية المستهلك
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد