بلغة الصمود الاستراتيجي عندما يفلس الردع يحصد الضعيف النتائج:

المرصدنيوز/بقلم:
د. بكيل محمد الكليبي.
نعيش اليوم حسب ما رشح من أخبار ومعطيات سياسية، على واقع جديد قد يكون غريب من ناحية المنطق، إعلان وفاة عقيدة الردع العسكرية الأمريكية، بعد أن وقعت إيران والولايات المتحدة الأمريكية، اتفاقية مبادئ لإيقاف الحرب لمدة ستين يوم، يتم خلالها الدخول في مفاوضات دقيقة وعميقة لمناقشة القضايا الحساسة كالبرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ طويلة المدى، ويأتي هذا الاتفاق بعد مارثون طويل من الأخذ والرد بين الطرفين بوساطة باكستانية، قطرية، ودعم قوي سعودي، تركي، تكللت بالنجاح الكبير، والوصول إلى مرحلة التوقيع الالكتروني على الاتفاق بين الطرفين، وشكل ذلك خطوة حاسمة في اتجاه المنطقة نحو الهدوء، على الرغم من وجود مخاوف كبيرة للعودة للحرب وتجدد الصراع، لاسيما أن الاتفاق وضع إسرائيل ومخططاتها خارج اللعبة، وجعلها تعيش في عزلة سياسية كبيرة في المنطقة، بعد أن تحجم مشروعها الذي طالما سمعناه علنناً من قيادتها وهو “تغيير خريطة الشرق الأوسط” تارةً، واسقاط النظام الإيراني تارةً أخرى، وهذا باعتقادي لا يعني فشل السياسة الإسرائيلية، بقدر ما ينتابني شعور بوجود أمر ما ربما كسب الوقت أكثر، قبل اشتعال الحرب مرة أخرى، بصورة أشد قسوة وضرواة.
والسؤال الملح ما لذي دفع أمريكا للجنوح إلى السلام؟ وكيف تمكنت الأخيرة من ضبط إسرائيل؟ ومن الذي كسب الحرب؟ ولماذا منحت أمريكا وإسرائيل إيران هذا الانتصار الكبير؟ وما الدافع وراء ذلك، وهذه التساؤلات أجدها منطقية لأني ومثلي الكثير من المتابعين وجدت تناقض كبير بين التصريحات التي أعلنها الجانبين الأمريكي والإسرائيلي عند دخول الحرب، وكانت تحمل سقف عالي مثل أسقاط النظام السياسي في إيران، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني، إذن ما لذي حصل بالضبط؟
أن الإجابة الموضوعية أما التساؤلات المنطقية تقود إلى وجود خلل كبير لدى صناع القرار الأمريكي الذي دخل الحرب بدون استراتيجية واضحة باعتقادي، وأن التصريحات كانت مجرد استهلاك إعلامي، لا أكثر، لأن معطيات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران يوم 28 فبراير 2026م، شكلت للجانبين صدمة كبيرة لم تكن في حسبان صانعي القرار، والسبب استخدام إيران أساليب وتكتيكات حربية لم تستخدمها من قبل، ولم تكن معروفة في عقيدتها العسكرية، وهي رفع كلفة الحرب واستنزاف العدو، بالرهان على الوقت وحولت الصمود من حالة الدفاع إلى نسق معرفي واستراتيجي واعي من شأنه إرهاق الخصم بأقل كلفة ممكنه، من خلال امتلاك الكثير من أوراق المناورة، استهداف المصالح، والقواعد الأمريكية في المنطقة، بل ذهبت لاستخدام الورقة الأخطر التي تعادل في مفعولها وتأثيرها السلاح النووي نفسه، وهي إغلاق مضيق هرمز وخنق أمريكا والاقتصاد العالمي، بمنع تدفق مصادر الطاقة، وكل هذه المعطيات كانت صادمة لأمريكا وإسرائيل، وجعل الأولى تبحث عن مخرج للحرب نظراً للكلفة المرتفعة وعدم جدوى استمرار الحرب قبل أن يتم حسمها.
قادت المتغيرات على أرض المعركة إلى خلق جدل فلسفي كامل لا يمكن انكاره، لأن الضعيف تمكن بفضل مجموعة من التكتيكات البسيطة قلب مسار المعركة، وبدلاً من أن تكون إيران الضحية، صارت الفاعل التاريخي المؤثر في رسم إيقاع الحرب، وهذا وفق فلسفة “هيجل: نقيض الشيء ينتج جوهره الجديد” أي أن إيران نجحت في إيجاد معادلات أخرى، بعيداً عن معطيات القوة وفارق التسليح العسكري الذي يميل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فكانت معادلاتها شرطية مكتملة وازنت من خلالها ضعفها أمام القوة القاهرة لعدوها، والنتيجة التي توصلت إليها إفلاس مفهوم قوة الردع الأمريكية، وحصدها بالمجمل لنتائج الحرب الأولية التي ظهرت معطياتها على شكل توقيع وثيقة مبادئ لإيقاف الحرب لمدة ستين يوماً، وفق نظرية ومعطيات تقول: “عندما يفلس الردع يحصد الضعيف النتائج” وفق معادلة الصمود والردع التي تمخض عنها معطيات جديدة لم تكن فيما يبدو في مخيلة صانعي القرار الذين اختاروا توقيت وزمن الحرب بعناية فائقة ودقيقة، لاسيما من انتخاب الأهداف بهدف شل قدرة إيران على الاستجابة السريعة والفاعلة للرد على الهجمات التي هدفت في بداية الحرب إلى أحداث خلل حقيقي في بنية النظام الإيراني، لكن الشيء المفاجئ إلى جانب التكتيكات العسكرية الأخرى التي استخدمتها إيران في المواجهة، هو امتلاكها لنظام سياسي مؤسسي أكثر تماسكاً، إذ ساد اعتقاد لدى الجانب الأمريكي والإسرائيلي، أن تصفية راس النظام كان بمثابة الضرب الذهبية التي تمنحهم الأفضلية في ميدان المعركة، لكن أثبتت الأيام أن اعتماد ذلك كمعطى مهم، في تسجيل أهداف متقدمة في الحرب لتحقيق الطموحات التي رفعتها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل، بالانتصار لم يكن إلا وهم، قاد في النهاية إلى رضوخ الجميع للسلام بعيداً عن الحرب أو حصد النتائج لصالحهم، بل أن معطيات الحرب اختلفت، وقادت إلى تحقيق إيران الضعيفة طموحاتها ومصالحها بصورة لم تكن تتخيلها يوماً، بفضل صمودها الاستراتيجي واستخدام الأوراق المناسبة في الوقت المناسب، فمعيار الوقت والزمن الذي حسبته الولايات المتحدة الأمريكية عند دخولها الحرب، أنهار في مكينة العد الإيرانية التي لم يكن أمامها ما تخسره سوى الصمود والصمود وحسب.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × اثنان =