شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
عدن بين ظلام الكهرباء وازدهار الفساد: عندما تتحول الأزمة إلى صناعة مربحة
في الدول الطبيعية تُعد الكهرباء مؤشراً على كفاءة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد والخدمات العامة.
أما في البيئات الهشة والمأزومة، فإن الكهرباء تتحول إلى مرآة تعكس حجم الاختلالات المؤسسية وعمق الفساد الإداري والمالي والسياسي.
وفي عدن، لم تعد أزمة الكهرباء مجرد مشكلة خدمية عابرة أو عجز تقني يمكن تفسيره بنقص الوقود أو ارتفاع درجات الحرارة أو تقادم المحطات، بل أصبحت نموذجاً مكتملاً لما يسميه علماء الاقتصاد السياسي “اقتصاد الأزمة”، حيث تتحول المعاناة العامة إلى مصدر أرباح خاصة، ويتحول الفشل المستمر إلى مشروع استثماري يدر عوائد هائلة على شبكات المصالح المرتبطة به.
الفساد التراكمي:
من المشكلة إلى المنظومة
الخطأ الشائع في تناول ملف الكهرباء هو اختزاله في فساد فرد أو مسؤول أو صفقة بعينها، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً وخطورة.
فالفساد في قطاع الكهرباء أصبح فساداً تراكمياً ومركباً، يتداخل فيه المستوى الرأسي بالمستوى الأفقي، وتتشابك فيه المصالح السياسية بالتجارية والإدارية.
فكل أزمة جديدة لا تعالج جذور الأزمة السابقة، بل تضاف إليها طبقة جديدة من الفساد فوق طبقة أقدم منها، حتى أصبحت المنظومة أشبه ببناء ضخم من الاختلالات المتراكمة.
سلسلة الفساد الممتدة
عند تفكيك ملف الكهرباء تظهر حلقات متعددة مترابطة:
أولاً: فساد الوقود
يُعد الوقود الشريان الرئيسي لمحطات التوليد، لكنه تحول إلى أحد أكبر أبواب الاستنزاف المالي.
فبين المناقصات غير الشفافة، وفوارق الأسعار، وتكاليف النقل والتوريد، تتسع المساحة أمام الهدر والفساد بصورة تجعل المواطن يدفع ثمن الكهرباء مرتين؛ مرة من المال العام، ومرة من انقطاع الخدمة.
ثانياً: فساد المحطات المستأجرة
بدلاً من الاستثمار في بناء محطات دائمة ذات جدوى اقتصادية طويلة الأمد، جرى التوسع في سياسة الاستئجار المؤقت.
وعلى الرغم من أن الحلول المؤقتة يفترض أن تكون استثنائية، إلا أنها تحولت إلى حالة دائمة، ما يثير تساؤلات جوهرية حول المستفيد الحقيقي من استمرار الأزمة وعدم إنهائها جذرياً.
ثالثاً: فساد قطع الغيار والصيانة
كثير من الأعطال التي تتكرر سنوياً ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لضعف التخطيط والصيانة وغياب الرقابة الفاعلة على العقود والمشتريات.
فكل عطل جديد يفتح باباً جديداً للإنفاق والعقود الطارئة، بينما تبقى المشكلة الأساسية قائمة.
رابعاً: العقود الوهمية والشراكات الخفية
تتحدث الأوساط الاقتصادية والإدارية منذ سنوات عن شبكات مصالح مرتبطة بعقود التوريد والصيانة والخدمات المساندة.
وفي كثير من الأحيان لا يظهر المستفيد الحقيقي بصورة مباشرة، بل عبر شركات واجهات أو أسماء أقارب وشركاء ووسطاء، بما يصعب عملية التتبع والمساءلة.
اقتصاد الظلام
الأخطر من أزمة الكهرباء نفسها هو ظهور اقتصاد كامل قائم على استمرارها.
فكلما ازدادت ساعات الانقطاع، ازداد الطلب على:
• المولدات الخاصة.
• الطاقة الشمسية.
• البطاريات.
• الزيوت وقطع الغيار.
• خدمات الصيانة.
وهكذا وفي ظل غياب الدولة تصبح الأزمة سوقاً ضخمة تدر أرباحاً هائلة على أطراف متعددة.
ومن هنا يبرز السؤال الأخطر:
هل أصبحت بعض مراكز النفوذ تستفيد من استمرار المشكلة أكثر مما تستفيد من حلها؟
الجواب:
نعم في ظل غياب الدولة وتضخم الاقتصاد السياسي للفساد، لا يكون الفشل دائماً نتيجة العجز، بل قد يكون أحياناً نتيجة وجود مستفيدين من استمراره.
المرأة: الضحية الصامتة للأزمة
ورغم أن الجميع يتضرر من انقطاع الكهرباء، إلا أن المرأة تتحمل النصيب الأكبر من الأعباء اليومية.
فالمرأة هي التي تواجه حرارة المنازل، وتعاني من نقص المياه، وتتحمل مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى.
كما تتضرر آلاف النساء العاملات وصاحبات المشاريع المنزلية الصغيرة نتيجة الانقطاعات المتكررة.
وبذلك تتحول أزمة الكهرباء من قضية فنية إلى قضية اجتماعية وتنموية وحقوقية تمس حياة الأسر بشكل مباشر.
غياب المساءلة
المعضلة الحقيقية ليست في وجود الفساد فقط، فكل دول العالم تواجه أشكالاً مختلفة منه.
المعضلة تكمن في غياب المحاسبة.
ففي الأنظمة الرشيدة توجد أجهزة رقابية مستقلة، وتقارير دورية، وإفصاح مالي، وتحقيقات شفافة، ومساءلة حقيقية.
أما حين يغيب العقاب، فإن الفساد يتحول إلى سلوك منخفض المخاطر وعالي الأرباح.
وهنا يصبح استمرار الأزمة أمراً متوقعاً وليس استثناءً.
لماذا تفشل الحلول؟
لأن معظم المعالجات المطروحة تركز على النتائج لا الأسباب.
فيتم توفير شحنة وقود هنا، أو استئجار محطة هناك، أو توقيع عقد إسعافي مؤقت، بينما تبقى البيئة المنتجة للأزمة على حالها.
إن إصلاح الكهرباء لا يبدأ بالمولدات، بل يبدأ بالحوكمة.
ولا يبدأ بشراء الوقود، بل بإغلاق منافذ الفساد.
ولا يبدأ بالتصريحات الإعلامية، بل بإخضاع جميع العقود والمناقصات والإنفاق للمراجعة والتدقيق والشفافية.
الخلاصة:
بعد سنوات طويلة من الوعود والتبريرات، لم يعد المواطن في عدن يبحث عن خطابات جديدة، بل عن نتائج ملموسة.
فالظلام الذي يلف المدينة ليس مجرد انقطاع للتيار الكهربائي، بل انعكاس مباشر لانقطاع المساءلة وضعف المؤسسات وغياب الإدارة الرشيدة.
وما لم يتحول ملف الكهرباء من ملف سياسي وتجاري إلى ملف وطني يخضع للشفافية والمحاسبة والرقابة المستقلة، فإن الأزمة ستستمر، وسيتوسع اقتصاد الظلام، وسيبقى المواطن يدفع ثمن الفساد من راحته وصحته ومستقبله.
فالكهرباء ليست مجرد خدمة عامة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتصار للمصلحة العامة على حساب شبكات المصالح الخاصة.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد