المرصدنيوز/دينا الرميمة
لا يختلف اثنان حول أضرار التدخين، وأنه يشكل تهديداً ثلاثي الأبعاد: مرضي ومادي واجتماعي، حتى المدخن نفسه حين يرتشف سيجارته يعلم تماماً أنه يرتشف سماً زعافاً
يعلم أنها ليست سوى جمرة تلتهم عمره ببطء
بين حناياه، ومع ذلك يستعذبه، كمن يمسك يد صديق قديم يعرف كل عيوبه ولا يملك القدرة على هجره، رفيق رمادي
يختار أن يحترق معه ببطء،
ثمة حزن نبيل يراه مرافقاً لمشهد غيمة الدخان وهي تتلاشى، يرى فيها الكلمات التي عجز عن نطقها، والدموع التي رفضت أن تسقط، أو ربما يرى في تلك الجذوة المشتعلة في الظلام أملاً صغيراً يشتري به لحظة من الهدوء،او يبحث من خلالها عن هدنة مع الوقت يهرب فيها من ضغوط الحياة، لكنه في الحقيقة يفتح على نفسه باباً مشرعاً لعاتيات الرياح المحملة بالقلق والتوتر، التي تملأ رئتيه برماد اللحظات الراحلة مع كل شهيق.
فالتدخين في جوهره ليس عادة يومية للبحث عن النيكوتين، بل هو علاقة معقدة تمتزج فيها الطمأنينة الزائفة بالألم الحقيقي. فالنفَس الأول قد يكون احتجاجاً صامتاً على خيبات الحياة، لكن النفَس الأخير هو استسلام مبكر للواقع، وتوقيع إقرار بموت بطيء، فكل سيجارة تسرق 11 دقيقة من العمر كما تقول الإحصاءات.
بضع دقائق تشعره بمتعة النيكوتين لكنه سرعان ما بوقعه أسيراً في فخ العبودية، يصبح مزاجه وهدوءه وقدرته على التفكير رهينة بسيجارة، ويتحول لشخص دائم التوتر سريع الغضب عند تراجع مستوى النيكوتين.
ويكمن الخطر الأكبر في ذلك الدخان المتصاعد الذي يصل إلى كل أنسجة الجسم تقريباً، بدءاً من الشعر إلى الجلد والأظافر، يسحب حيويتها ويجعلها تشيخ قبل أوانها، وصولاً إلى تدمير الأعضاء الكبرى فيصيبها بخلل لا يمكن علاجه، فالتدخين يُعد العامل المسبب الأكثر أهمية للعديد من الأمراض
كالتهاب القصبات التنفسية المزمن الانسدادي
«Chronic obstructive bronchitis»
لسرطان القصبات الهوائية
«Bronchogenic Carcinoma»
وانتفاخ الرئة«Emphysema»
ويرتبط التدخين ارتباطاً مباشراً بالعديد من أمراض القلب والأوعية الدموية الخطيرة التي تهدد الحياة، كمرض الشريان التاجي
«Coronary Heart Disease»
وتصلب الشرايين
«Atherosclerosis» نتيجة تلف بطانة الشرايين وتراكم الدهون والكوليسترول فيها بسبب النيكوتين، وكذلك النوبات القلبية«Heart Attacks» التي يرتفع خطر الإصابة بها لدى المدخنين بمعدل ضعفين إلى أربعة أضعاف مقارنة بغير المدخنين.
كما يزيد التدخين من لزوجة الدم وتكون الجلطات التي قد تنتقل وتؤثر على الدماغ فتسبب السكتة الدماغية«Stroke»
كما يعد التدخين مسبباً للكثير من أورام الجسم المختلفة كسرطان البنكرياس
« Carcinoma of the Pancreas»
وسرطان عنق الرحم
«Carcinoma of the Cervix»
وسرطان المثانة
«Bladder carcinoma»
وقد يبدأ الأمر بسعال بسيط في الصباح، ومن ثم ضيق في النفس عند الصعود، إلى أن ينتهي بأنبوب أكسجين وسرير في غرفة عناية مركزة.
ولعل الضرر الأشد قسوة هو ذاك الذي يلحق بمن لم يختاروا التدخين، بل فرضه عليهم المدخن عبر ما يعرف بالتدخين السلبي وجرًعهم ذات السموم التي يرتشفها.
فالسيجارة ليست مجرد لفافة تبغ يبددها المرء في الهواء، ولا خياراً شخصياً ينتهي أثره عند حدود شفتي المدخن، بل هي سلسلة من القيود التي تكبل المدخن ومن يحيطون به، هي أشبه بوباء عابر للمسافات يترك ندوباً عميقة في جسد المجتمع واقتصاد الأسرة وصحة الأبرياء، فكل غيمة دخان ينفثها المدخن في بيته هي اعتداء مباشر على حق من حوله في تنفس هواء نقي، وتحويل لعش الزوجية الآمن إلى بيئة ملوثة وممرضة، والضحية الأضعف هم الأطفال، إذ تضعف مناعتهم وتتزايد إصابتهم بأمراض الجهاز التنفسي الحادة كالربو والتهابات الرئة المزمنة.
وهكذا يذوب العمر بين رماد لفافة،
وما بين لذة دقيقة وخسارة عمر،تقف السيجارة شاهدة على اختيار خاطئ يعاد كل يوم.
وفي النهاية، ستنطفئ السيجارة حتماً، لكن السؤال: هل ستنطفئ وحدها، أم ستنطفئ بانطفائك؟
لذا فقرار الإقلاع عن التدخين ليس هزيمة، بل هو انتصار… انتصار للصحة على المرض، وللعمر على الرماد، وللعافية على التكاليف الباهظة في أروقة المستشفيات ومراكز الأورام.
أن تطفئها اليوم هو أن تعيد لنفسك ولمن تحبهم الحق في حياة محفوفة بالأمان ومحصنة بالعافية وهواء لا يخنقه الرماد.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد