المرصد نيوز/بقلم : دكتور صفوت حاتم
لم تكن الشوارع العربية تخلو من عابريها وتصبح قفارا إلا لثلاث شخصيات : جمال عبد الناصر ..وأم كلثوم ..ومحمد حسنين هيكل.
كانت خطب جمال عبد الناصر .. وحفلات أم كلثوم ..وأحاديث هيكل المذاعة أو المتلفزة ..
موعدا لإلتئام واجتماع العرب حول المذياع أو التليفزيون . . وربما لعقود طويلة ظلت
مظهر اجتماعهم الوحيد!!
وبعد رحيل ناصر وأم كلثوم ..ظل هيكل لما يقارب نصف قرن مظهر اتفاق العرب الوحيد .. وشكل شغفهم على متابعة كل حرف ينبس به عاملا مشتركا بينهم ..يتساوى في هذا منتقديه .. قبل محبيه.
لم يكن ” هيكل ” , بالنسبة للعرب , مجرد راوِ للتاريخ ..أومحض باحث مدقق في الوثائق والمخطوطات. فأي ” مؤرخ ” أكاديمي قادر على فعل ذلك بقليل من الجهد .
. ما كان يميز هيكل عن غيره من كتاب التاريخ ..هو ذلك ” الشغف ” بموضوعه ..ورغبته الجارفة في نسج خطوط التاريخ ليخرج منها بفيلم سينمائي تاريخي مثير .. يجذب المشاهد لكل حرف وحركة وايحاء.
الجورنالجي
كان ” الاستاذ ” يفضل لقب ” الجورنالجي ” على أي لقب آخر . وظل مخلصا لمهنة ” الجورنالجي ” لأكثر من 43 عاما حين أصدر كتابه ” ملفات السويس ” .تلقى هيكل أول دروسه في الصحافة عام 1943 في صحيفة تطبع باللغة الأنجليزية وتصدر في القاهرة . وكان الدرس الأول الذي تعلمه من اساتذته في الصحافة الأنجليزية وظل وفيا له هو ألا يهتم فقط بما يحدث أمامه من وقائع .. بل أن يبحث فيما يختفي وراء الاحداث من تيارات وصراعات ومشاعر وانفعالات .كان ذلك درسه الأول قبل أن يلتحق بعمله كمراسل حربي في نهاية الحرب العالمية الثانية . وربما كان ذلك الدرس هو الذي صنع لنا محمد حسنين هيكل ” الجورنالجي ” المبهر .
أعطت مهنة الجورنالجي لهيكل الكثير ..وأخذت منه الكثير. اكتسب كثير من الصداقات المميزة..وأبتلي بكثير من العداءات المزعجة . خصوصا بعد خروجه من رئاسة تحرير الأهرام وخلافه مع الرئيس السادات . كان هذا الخلاف سببا في تغير دور هيكل في بلاط صاحبة الجلالة ..فبعد سنوات طويلة من القرب الشديد من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ..أصبح فجأة معارضا لسياسات خلفه أنور السادات ومحل نقمته ..بعد سنوات قليلة من القرب والإقتراب .
لاشك أن قرب ” هيكل ” من الرؤساء المصريين : جمال عبد الناصر ..ثم السادات .. هو ما أوغر عليه صدور كثير من الكتاب والصحفيين الذين كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم بالغيرة والحسد تجاه ” هيكل ” ” .والمثقفون نوعان عادة : نوع يرى في الإقتراب من السلطة مجالا للنفوذ والثروة والحظوة . والنوع الثاني يرى أن الإقتراب من السلطة هو الطريق الوحيد للتأثير في السياسات وتغيير
الاوضاع وتمرير الأفكار .
ويتصور الكثيرون أن هيكل كان يمارس نفوذا فكريا على جمال عبد الناصر . رغم أن الأستاذ هيكل .. أكد في أكثر من مناسبة .. أن ماكان يجمعه بعبد الناصر هو صداقة فكرية عميقة ..صداقة قائمة على تقدير كل منهما لإمكانيات وقدرات الآخر وميوله ومنهجه في التفكير وأسلوبه في تناول القضايا والمشكلات وتحليلها.
وربما كان شغف هيكل بالحياة , واهتماماته الانسانية بصنوف مختلفة من المعرفة والفنون وانفتاحه على صداقات إنسانية متنوعة ومتعارضة في ميولها السياسية ونمط حياته المتحرر من القيود الرسمية , هي أكثر ما شدّ جمال عبد الناصر في شخصية الاستاذ هيكل . فعلى خلاف ” هيكل ” المنطلق والمنفتح على متع الحياة , ظل جمال عبد الناصر مخلصا لدوره كرئيس دولة ..وما يفرضه هذا الدور عليه من واجبات يحوطها كثير من الرسميات والسلوك المتحفظ ، بعكس هيكل الذي كانت تشده صداقاته ومعارفه العربية والأجنبية الى عوالم متنوعة في الفكر والسياسة والثقافة والفن والادب والعسكرية .
ولكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن جمال عبد الناصر لم يؤثر في اتجاهات وافكار ” هيكل “. وهنا تحضرني رواية ذكرها المرحوم الاستاذ ” أحمد حمروش ” في كتابه ” مجتمع جمال عبد الناصر ” عن علاقة عبد الناصر بهيكل , فقد أسرّ الرئيس عبد الناصر لصديقه القاضي ” أحمد فؤاد ” .. أحد قيادات تنظيم ” حدتو ” الشيوعي ..والذي جمعته بعبد الناصر صداقة نضالية قديمة أثناء التخطيط للثورة قبل عام 1952 .. أن أكثر الأفراد الذين تأثروا بفكره الإشتراكي هما علي صبري ومحمد حسنين هيكل .. وأنهما رغم أصولهما الفكرية البعيدة عن الإشتراكية إلا أنهما يعبران مرحلة من مراحل التحول الفكري إلى الإقتناع بها ( مجتمع جمال عبد الناصر ، طبعةالهيئة المصرية للكتاب 1992، ص 611 )
ان أحد الميزات الكبرى لجمال عبد الناصر .. الزعيم المهتم بقضية التحرر الوطني ..هي نجاحه في الربط بين النضال الوطني ضد الإستعمار والنضال من أجل العدالة الإجتماعية وبناء الإشتراكية . ونجح جمال عبد الناصر في أن يجعل كلمة ” الإشتراكية ” في قلب وعقل كل مواطن عربي ..بعد أن كانت كلمة مؤثمة يعاقب معتنقها بالسجن.
لقد نجح جمال عبد الناصر في إقناع كثير من زملائه من الضباط بالفكر الإشتراكي .. وكان منهم بالطبع صديقه ” محمد ” .. كما كان يناديه عبد الناصر .
فلسفة التاريخ
بقي الاستاذ ” هيكل ” جورنالجيا لامعا حتى عام 1986 ، وهو العام الذي أصدر فيه كتابه ” ملفات السويس ” , فقد انتقل ” هيكل ” بكل ” أناقة ” وإقتدار من مهنة الجورنالجي اللامع إلى مهنة المؤرخ البارع .
ورغم أن هيكل كان قد كتب كثيرا من المقالات عن حرب السويس عام 1956 . إلا أن كتابه ” ملفات السويس ” كان مختلفا تماما عما سبقه من كتابات في الموضوع .
ربما كان السبب في ذلك هو الكشف عن كثير من الوثائق عن أزمة السويس بعد مرور ثلاثين عاما على أزمة السويس التي كانت أزمة دولية بإمتياز .. وانجرّت لها كل القوى الدولية في تلك الفترة.
والجدير بالذكر هنا ، أن كثير من دور النشر العالمية ومراكز الأبحاث الدولية ، إعتبرت أن كتاب “ هيكل ” هو أفضل ما صدر عن ” أزمة السويس ” لجودة توثيقه وتدقيقه ومراجعه .
ولكن هناك سبب آخر يعطي هذا الكتاب أهميته الفائقة بالنسبة للباحثين العرب المهتمين بالعلوم السياسية .
فالكتاب هو وثيقة “ عملية ” في مفهوم ” إدارة الأزمات الدولية ” .
وقد أعطى هذا الكتاب لكثير من الباحثين السياسيين فرصة التعرف على كيفية التخطيط لصنع القرار السياسي في السياسة الدولية .. وكيفية تجميع المعلومات ..وحشد الإمكانيات الذاتية .. وتقدير مواقف الخصم وقدراته على التدخل ..وكيفية التعامل مع فكرة الزمن والتوقيت .. والتصرف بحنكة إزاء أي مواقف مفاجئة وغير محسوب في الخطة الأساسية .. وكيفية التعامل مع البدائل والإنتقال بينها .. وكيفية تقدير مواقف الاصدقاء الحاليين و المحتملين .. وكيفية تقدير تدخل خصوم محتملين في الأزمة .. وكيفية التقدم أو التراجع التكتيكي في ميدان المعركة .. وكيفية حساب دور العوامل السياسية والعسكرية في علاقاتها المتشابكة والمعقدة .. وهكذا .
ولعل أهم دروس هذا الكتاب , هو الكشف عن مواهب جمال عبد الناصر في إدارة الأزمات الدولية وتصميمه على الوصول للهدف المرسوم مهما كانت العقبات والتضحيات.
كان الكتاب وبحق نموذجا ” أكاديميا ” رفيعا لنظرية المدخلات والمخرجات في صنع القرار السياسي كما يدرسها طلاب العلوم السياسية ، وأفضل تطبيق ” عملي ” لها.
كل ذلك وغيره ، جعل من كتاب ” ملفات السويس ” ، مرجعا تاريخيا لأي دارس للعلوم السياسية ، يماثل ، في رأيي ، كتاب ” الأمير ” لمكيافيلي الذي تحول الى مرجع أكاديمي في تطور نظريات العمل السياسي .
وأتذكر في هذا الصدد , أن مركز الدراسات الإستراتيجية بالأهرام .. كان عقد عدة ندوات متخصصة لمناقشة كتاب هيكل ” ملفات السويس ” … أول مرة بعد صدور الكتاب في نهاية الثمانينات . والمرة الثانية بعد أزمة إجتياح الرئيس الراحل صدام حسين للكويت . وكان الهدف من الندوة الأخيرة المقارنة بين أدارة الأزمات الدولية في الحالتين . وكيف حقق صانع القرار في الحالة الأولى ، وهو الرئيس جمال عبد الناصر ، أهدافه السياسية كاملة ، بينما باءت جهود صانع القرار في الحالة الثانية ، وهو الرئيس صدام حسين ، بالفشل .
وتوالت كتابات هيكل التاريخية عن المواجهة والحرب بين مصر والعرب في جهة , وإسرائيل وأمريكا في الجهة المواجهة . وهي كلها كتابات تمتاز بدقة وثائقها ومراجعها وإقترابها من الوقائع التي تمكن ” هيكل ” من الحصول عليها بفضل علاقاته التي جمعته بالشخصيات المشاركة في الحدث مباشرة أو تلك التي كانت قريبة منه .
وللمرة الثانية يحصد كتاب هيكل ” حرب الخليج .. أوهام القوة والنصر ” كأفضل ما نشر عالميا من مؤلفات عن هذه الحرب , سواء من المؤرخين أو من القادة والعسكريين الذين شاركوا في هذه الحرب .
وعلى الرغم من إبتعاد ” هيكل ” عن دوائر الحكم الرسمية في الوطن العربي . إلا أنه إستطاع أن يحوز على كم كبير من المعلومات والأراء والمراجع التي أكملت صورة أزمة الخليج عام 1992 وماحدث فيها .
وهنا لنا كلمة :
بدا واضحا مع أزمة الخليج عام 1992 أن عالما جديدا آخذ في التشكل .. فقد إنهار المعسكر الإشتراكي انهيارا مدويا . وأخذت آلات الدعاية الأيديولوجية للإمبريالية تروج للنصر النهائي للرأسمالية في كتابات عن ” نهاية التاريخ ” و ” صدام الحضارات ” .
وهنا إستجمع ” هيكل ” كل قدراته الذهنية ومواهبه الفكرية في تفنيد الأسس الايديلوجية الجديدة للأمبريالية .. وإعادة تسكين الصراع بين الشعوب المستعبدة وقوى الإستعمار لمكانه الحقيقي .
ركزّ ” هيكل ” ببراعة على تهافت ايديولوجية ” نهاية التاريخ ” وصدام الحضارات .. وأن الشعوب المُضطهدة ليس أمامها سوى إستلهام تاريخها في النضال ضد الإستعمار من أجل النجاح في تحقيق مكان لها تحت الشمس .
وفي لقاءاته التليفزيونية المتعددة .. والتي كانت تجمع كل العرب حولها كما قلنا .. كان هيكل ينتقل من رواية التاريخ إلى فلسفة التاريخ وقوانينه وعبره وأحكامه .
وكانت إستطراداته المختلفة .. تظهر للمثقفين الحقيقيين .. إمكانيات الرجل على إعطاء أحكام وإتجاهات في فهم التاريخ .. وكشف عن موهبة جديدة ” للأستاذ ” هي ولعه بنظرية المعرفة أو علم ” فلسفة التاريخ ” .. وهو العلم الذي يهتم بالكشف عن القوانين العامة لحركة التاريخ وراء الأحداث والوقائع وصراعات القصور .
كانت إستطرادات ” هيكل ” في البرامج المتلفزة تزعج محاوريه من مقدمي البرامج .. والذين لم يكونوا قط في مستوى ثقافة وقدر ” الأستاذ ” معرفيا .. فكانوا يهدرون برعونتهم ” ثروة ” مرئية كبيرة من معرفة الأحداث ويبددون كنزا كبيرا من الخبرات في التعرف على شخصيات وقادة وزعماء لم يتح لغير ” هيكل ” معرفتهم .
رحم الله الأستاذ محمد حسنين هيكل .. أحد القلائل الذين لا يستطيع الموت منع نهر عطائهم من التدفق .
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد