محطات مضيئة من سيرة عبدالفتاح إسماعيل (فتاحي
قائد عسكري، زعيم سياسي وأديب شارك في صناعة تاريخ ثورة (14) أكتوبر ، وبناء دولتها.
المرصدنيوز/إعداد الصحافي و الكاتب : سعيد احمد الجناحي
ينتمي عبدالفتاح إسماعيل إلى أسرة انتقل عائلها من الجوف واستقر في قرية “الاشعا” أغابرة- ناحية حيفان – محافظة تعز حيث، ولد عبدالفتاح إسماعيل على الجوفي في قرية الأشعاب أغابرة في 28/يوليو/1939م.
ارتبطت حياته بريف الشمال، والتي كانت لا تختلف عن حياة القرون الوسطى وتلقى تعليمه الأولي على يد والده إسماعيل الذي كان متعلماً ويزاول مهنة القضاء، ومعلماً يدرس في معلامة القرية، كما كان قيماً لمسجدها.
حين أصبح عبدالفتاح إسماعيل صبياً ترك القرية حين استدعاه أخوه محمد إسماعيل الذي كان قد استقر عمله في عدن، كي يواصل دراسته هناك، حيث أنهى دراسته الابتدائية والمتوسطة في المدرسة الأهلية بالتواهي في عدن.
هكذا ارتبطت حياة عبدالفتاح إسماعيل بأبرز معالم حياة كانت أوضاعها متداخلة، حياة متخلفة في ريف الشمال وحياة المدينة في عدن، ولأنه لم يكن باستطاعته مواصلة دراسته، فهو آخر أبناء إسماعيل إذ يأتي رقمه الواحد والعشرون بين البنين والبنات، لذا أختار الالتحاق بمدرسة تدريب العمال لمصافي الزيت البريطانية (.B B) وكان له ذلك بعد أن اجتاز الامتحان، ونجح بين عدد كبير من المتقدمين وأثناء امتداد الحركة القومية إلى اليمن وعدن بالذات اختار عبدالفتاح الانضمام إلى حركة القوميين العرب، مع نهاية عام 1959م، في وقت كان تنظيمها السري قد اتسعت حلقاته بين مجموعة من المثقفين والعمال فكان من بين مؤسسي الحركة.
تميز عبدالفتاح إسماعيل بالذكاء و بالنضج الفكري وعمق المعارف النظرية لنهمه في البحث عن المعرفة من خلال القراءة واكتسب تجربة العمل النقابي، شارك في الإضراب العمالي لعمال المصافي الذي استمر بضعة أشهر وفي أبريل عام 1960م ورغم تدخل الشرطة- وانتشار فرق الجيش البريطاني لحماية منشآت المصافي تصدر، عبدالفتاح إنزال منشور يحمل مطالب العمال يحثهم فيه على الصمود، وبعد تدخل الاتحاد الدولي للنقابات حقق عمال المصافي جزءاً كبيراً من مطالبهم لكن، نشطاء العمال تعرضوا إلى الاعتقال والتحقيق وتعرض عبدالفتاح إسماعيل إلى جانب ذلك إلى الفصل.
في أواخر 1960م عمل مدرساً في مدرسة الحسوة لفترة قصيرة، ثم انتقل إلى مدرسة النهضة، الواقعة في الشيخ عثمان، وخلال هذه الفترة برز كعنصر قيادي في حركة القوميين العرب، وعاد إلى عدن الصغرى متردداً حيث كان مقر عمله سابقا ، ولكن عودته هذه المرة كانت إلى قيادة خلايا العمال السرية التي التحقت بحركة القوميين العرب .
بعد قيام الثورة السبتمبرية عام 1962م التي أحدثت تحولات جذرية في مسار الأوضاع على الساحة اليمنـية وخاصة في مسار النضال الوطنـي فقد صار الشمال قاعدة للقوى الوطنـية الجنوبية وساحة داعمة لحركة النضال في الجنوب، وفي صنعاء تنادى الوطنـيون من أبناء الجنوب وبعد اجتماعات ومشاورات توصلوا إلى تشكيل جبهة لتحرير الجنوب ثم تشكيل الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمنـي المحتل تم الإعلان عنها في أغسطس 1963م، وأصبحت تعز مقرها الرئيسِ، وبما إن تشكلت الجبهة القومية من عدد من فصائل العمل الوطنـي وكانت حركة القوميين الفصيل الرئيس، تحول تنظيم الحركة المنتشر في الجنوب إلى تنظيم يعمل باسم الجبهة القومية، وهكذا انطلقت الشرارة الأولى للثورة المسلحة من ردفان في الرابع عشر من أكتوبر 1963م، بقيادة الجبهة القومية التي أعلنت الكفاح المسلح طريقاً للنضال حتى تحرير الجنوب، وعلى قاعدة الدعم المطلق من قبل قيادة الثورة في الشمال، ومصر عبد الناصر تصاعدت حركة تحرير الجنوب وامتدت إلى عدن.
ومن ضمن الإعداد لجبهة عدن، تلقى عبدالفتاح إسماعيل دورة تدريبية على السلاح، كما وأنه تولى الإعداد لفتح جبهة عدن من خلال إيفاد عناصر من الخلايا السرية التي كانت في إطار حركة القوميين العرب إلى تعز على شكل فرق لا يزيد عدد أعضائها عن خمسة أفراد، حيث كان يتم تدريبهم على يد ضباط مصريين أوفدتهم القيادة المصرية لدعم نضال الشعب في جنوب اليمن، وبعد انتهاء الدورة التدريبية يعود كل منهم إلى مقر عمله، ومن ضمن الإعداد تولى عبدالفتاح الإشراف على تسريب الأسلحة والذخائر إلى عدن، حيث تم خزنها في أماكن سرية.
في تلك الأثناء وفي بداية 1964م عين عبدالفتاح المسؤول الأول عن العمل العسكري والسياسي لجبهة عدن وأصبح اسمه التنظيمي (عمر) خلفاً لفيصل عبد اللطيف الذي أصبح عضو قيادة الجبهة القومية وانتقل ليمارس مهامه في المجلس التنفيذي للجبهة في تعز.
ترك عبدالفتاح عمله كمدرس وتفرغ لقيادة جبهة عدن وكي لا يلفت النظر إليه، عمل مع أخيه المهندس عبد الجليل إسماعيل والذي كان يعمل مقاولاً ، مما شكل له نمطاً مكنه من ممارسة مهامه بعيداً عن الأنظار.
إلى جانب مَلَكته الفكرية في قيادة العمل التنظيمي برز عبدالفتاح إسماعيل كقائد عسكري أو فدائي، فقد استطاع تأسيس وقيادة الكفاح الفدائي في عدن، رغم ثقل الوجود البريطاني المستشري في كل مكان.
لقد ساعدته إمكانات أخيه المهندس عبد الجليل كثيراً فقد كان يتغاضى عن كل ما يقوم به لعلمه باتجاه أخيه (فتاحي) لقبه العائلي- وثقته به، وحبه له.
وهكذا ضمن عبدالفتاح إسماعيل العمل كتغطية، والتنقل فقد خصص أخوه المهندس عبدالجبار سيارة ( لندروفر) يقودها بنفسه ، كما ضمن السكن، إذ سمح له أخوه بأن يسكن منـزلاً ملكاً له، كان قد أنهى بناءه في المنصورة، واستغل فتاح أماكن وجود مواد البناء التابعة لأخيه لتخزين الأسلحة حتى تم الحصول على منازل ومخابئ , و حرص على أن تكون أخته لطيفة اسماعيل الى جانبه أثناء السرية , لذلك أعادها و علمها فكانت الأخت و الرفيقة .
ساعدت الظروف التي أحاطت بعبد الفتاح على وضع أسس لبداية العمل العسكري في عدن وبدأت أول عملية فدائية على المطار العسكري ومن ذلك التاريخ استمر العمل الفدائي يتصاعد بحنكة قيادة فتاح وتضحيات رفاقه.
تجلت حنكة عبدالفتاح في قدرته على الحركة وساعده احترام وحب رفاقه، فأصبحت جبهة عدن بقيادته أوضع جبهات القتال، فقد كان في مقدمة الفدائيين يشارك في تنفيذ العمليات، وتتبعه لكل صغيرة وكبيرة من خلال العمل السري الصارم والبحث عن أماكن لا تلفت النظر كانت تـُحدد للقائه بالفدائيين، للتشاور، وتوزيع المهام فابتدع مع رفاقه ملابس التخفي، إذ كانت بعض العمليات الفدائية يقوم بها الفدائيون بملابس ضباط الهجرة أو الجيش، وملابس أخرى لا تلفت النظر، وقد تنكر في ملابسه أكثر من مرة بصفته بائع متجول.
أصبحت جبهة عدن من أوجع جبهات القتال للقوات البريطانية لم ترعب العمليات الفدائية القوات البريطانية فحسب بل نقلت صوت الثورة إلى أنحاء العالم فلم تستطع السلطات البريطانية إخفاء هجمات الثوار في عدن، كما كانت تفعل في إخماد هجمات الثورة في الريف ومع ذلك وصلت إلى جيب من جيوب الفدائيين في ابريل 1965م من خلال رجال الاستخبارات المحليين الذين يعرفون عدن أكثر من أسيادهم الإنجليز ولسد تلك الثغرة تمكن ” فتاح ” من عقد اجتماع موسع لقيادة جبهة عدن، وتم تشكيل جهاز استخبارات للجبهة، سمي جهاز أمن الثورة، وجهاز متابعة رجال الاستخبارات المحليين، وكان الرد أن شن الفدائيون حملات اغتيال لأخطر العناصر التي كانت تعمل مع الإنجليز، بعد أن يتم إنذارها، الأمر الذي قطع كل خيوط الوصول إلى مخابئ الفدائيين خاصة بعد أن طالت الاغتيالات عناصر بريطانية في قيادة الاستخبارات والاستطلاع العسكري،تلاشت جرأة من كانوا يتابعون العمل الفدائي ، ومثل هذا الإجراءات أدت إلى تأمين استمرار الكفاح الفدائي في عدن، وللوصول إلى الرأس القيادي عبدالفتاح إسماعيل حصلت الاستخبارات البريطانية على صورة له من إدارة المرور طبعتها ووزعتها على كل نقاط التفتيش في أنحاء عدن، ورصدت مبلغ نصف مليون دينار لمن يدل عليه، إلا أنها عجزت أن تطاله، فقد كان يتحرك بسرية وحذر.
ولتوسيع نطاق المجابهة والعمل السياسي أجرى عبدالفتاح حوارات مع القوى الأخرى منها: اتحاد الشعب الديمقراطي والى جانب قيادته للعمل الفدائي فقد كان في طليعة المشاركين في العمل السياسي فقد شارك في التحضير للمؤتمر العام الأول للجبهة القومية الذي انعقد في تعز في يونيو 1965م، وانتخب عضواً فيه إلى المجلس التنفيذي، فقد شكل المؤتمر نقلة كبيرة في تصعيد الكفاح المسلح، ففي عدن ذكرت الإحصاءات البريطانية أن الخسائر التي منيت بها بريطانيا وصلت إلى ستٍ وثلاثين إصابة بين قتيل وجريح، وفي عام 1965م وصلت الحوادث أي العمليات العسكرية إلى (286)حادثة تسببت في (227) إصابة بين قتيل وجريح.
ترك عبدالفتاح إسماعيل عدن إلى تعز بعد 13/يناير/1966م بعد إعلان جبهة، أي الدمج القسري بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير، وتمثل الأخيرة القوى التي رفضت الكفاح المسلح، وتم تشكيل جبهة سميت جبهة التحرير بدافع من الجهاز المصري المشرف على مساعدات كفاح الشعب في الجنوب تحت مبرر وحدة القوى الوطنـية، وواجهت عملية الدمج رفضاً واسعاً من قيادات وقواعد الجبهة القومية.
شارك عبدالفتاح في اجتماعات كوادر الجبهة القومية التي تنادت إلى تعز بعد إعلان الدمج والذي تم دون موافقة قيادات الجبهة القومية، وتوصلت تلك الاجتماعات إلى تصور لمواجهة الموقف، وتم الاتفاق على الإعداد لمؤتمر عام للجبهة القومية.
في تلك الأثناء تعرض عبدالفتاح إلى الاعتقال، فقد نقل إلى صنعاء مع أحد زملائه، حيث ظل في سجن الداخلية عدة أيام، ثم نقلته القيادة المصرية إلى القاهرة حيث أُبقي تحت الإقامة الجبرية.
في مارس 1966م أعلن في القاهرة عن تشكيل مجلس قيادة لجبهة التحرير قوامه (12) عضواً نصفهم يمثلون الجبهة القومية والنصف الآخر يمثل منظمة التحرير، وكان عبدالفتاح إسماعيل واحداً من ممثلي الجبهة القومية.
ورغم ذلك عقدت الجبهة القومية مؤتمراً سرياً في مدينة جبلة في يونيو 1966م وكان عبدالفتاح من العناصر التي انتخبت إلى قيادة الجبهة القومية.
وفي القاهرة شارك عبدالفتاح إسماعيل في الحوارات التي دارت بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير,وخاصة في ظل تفاقم الصراع الضاري الذي تفاقم بسبب تشكيل المجلس الوطنـي لجبهة التحرير، وكان ضمن وفد الحوار الذي استمر شهرين، في القاهرة وعلى ضوء نتائجه عقد مؤتمر الإسكندرية في أغسطس 1966م ورغم الاتفاق حول تشكيل تنظيم جبهوي مشترك وليس تنظيماً موحداً كما كان الدمج القسري، إلا أن إدراك الجبهة القومية أن اتفاقية الإسكندرية أملته اعتبارات تكتيكية من قبل قيادة منظمة التحرير مما أدى إلى أن أعلنت الجبهة القومية انسلاخها عن جبهة التحرير ومواصلة كفاحها بشكل مستقل، وتم الإعلان الرسمي عن الانسلاخ في المؤتمر العام الثالث الذي انعقد في منطقة (حمر) ديسمبر 1966م.
أعيد انتخاب عبدالفتاح إسماعيل إلى قيادة الجبهة في مؤتمر حمر، ومن منطلق اعتماد الجبهة القومية على الذات مضت في تجربة السيطرة على المناطق ولم يأت سبتمبر 1967م إلا وقد سيطرت على معظم المناطق الريفية وفي ظل سيطرة الجبهة القومية على الكيانات التي الفتها وشكلت لجان شعبية لإدارة السلطة فيها شعرت القيادة المصرية بخيبة أملها ، لذا سمحت لكل العناصر المحجوزة في القاهرة بالعودة إلى اليمن، ومن ضمن من عاد قحطان الشعبي أمين عام الجبهة وعبدالفتاح إسماعيل.
وفي نوفمبر 1967م اعترفت بريطانيا بأن الجبهة القومية لم تعد منظمة إرهابية واعترفت بها كممثلة لشعب الجنوب وقررت التفاوض مع قيادتها.
ترأس عبدالفتاح إسماعيل وفد الجبهة القومية للقاء مع الزعيم جمال عبد الناصر، في نوفمبر بداية 1967م . وأصبح عضواً في وفد الجبهة القومية المفاوض من أجل الاستقلال برئاسة المناضل قحطان الشعبي.
استمرت المفاوضات زهاء عشرة أيام في جنيف وعاد الوفد إلى عدن في 30/نوفمبر، وأمام حشد جماهيري تولى عبدالفتاح قراءة بيان الاستقلال
تولى في أول حكومة للاستقلال وزيراً للإرشاد القومي وشؤون الوحدة، إلى جانب عضويته في اللجنة التنفيذية وعضوية القيادة العامة للجبهة القومية، وشارك في المؤتمر العام الرابع وهو أول مؤتمر علنـي عقدته الجبهة القومية في السادس من مارس 1967م ساد المؤتمر تياران، الأول: مع وثائق المؤتمر الرامية إلى حركة تغيير ثورية لصالح الكادحين، يدعو إلى التغيير الجذري، وإدخال جيش التحرير والفدائيين إلى الجيش، وتطهير الجيش من القيادات التي وقفت مع الاستعمار أثناء مرحلة التحرير، والتيار الآخر يرى أن اتجاه السلطة ينبغي أن يسير وفق حركة إصلاحية متدرجة وأطلق على التيار الأول-التيار اليساري، والآخر التيار الإصلاحي- ولم تمضِ سوى (14) يوماً حتى أقدم قادة الجيش على انقلاب ضد التيار اليساري تحت حجة التخلص من الشيوعيين.
تعرض عبدالفتاح إلى الاعتقال والضرب مع عدد من رفاقه، كما تعرض إلى الضرب المبرح فإنه نقل على إثره إلى المستشفى الجمهوري وما إن علمت الجماهير بوجوده طوقت المستشفى وبسبب الغضب الشعبي تراجع قادة الانقلاب أمام المقاومة الشعبية والعسكرية القوية وتم تخليص المعتقلين وأغلبهم من قادة حزب التحرير ومن السجون انتقل بعضهم إلى المناطق الريفية وسافر عبدالفتاح للعلاج إلى بلغاريا جرَّاء آثار الضرب في عموده الفقري.
سيطر ممثلو التيار اليساري على بعض مناطق الريف حيث أعلنوا في 14 مايو 1968م السير في اتجاه إسقاط السلطة. ووصف الرئيس قحطان تلك الحركة بالتمرد.
وفي هذه الأثناء عاد عبدالفتاح إسماعيل إلى تعز حيث سكن في منزل ابن أخيه سعيد أحمد الجناحي إذ كرس جهده مستقصياً الأوضاع الداخلية إذ تحول مقره من تعز إلى ملتقى العناصر القيادية فتمكن من قيادة الثوار مع رفاقه وقيادة السلطة وتوصل إلى مصالحة على قاعدة الاتفاق حول برنامج استكمال التحرير الوطنـي وعاد إلى عدن كما عاد كل الآخرين.
لكن الصراع استمر، وتمكن التيار التقدمي من حسم الصراع في إطار قيادة الجبهة القومية مما أدى إلى تقديم قحطان الشعبي استقالته في 22 يونيو 1969م وحل محله مجلس رئاسة برئاسة سالم ربيع علي وأصبح عبدالفتاح عضو مجلس الرئاسة، والأمين العام للجبهة القومية.
قاد عبدالفتاح الحوار بين التنظيم السياسي للجبهة القومية، وحزب الطليعة الشعبية-فرع الجنوب- والاتحاد الشعبي الديمقراطي، وفي أكتوبر 1976م عقد مؤتمر وحَّد الفصائل الثلاث في تنظيم واحد ، هو: التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية. وانتخب أميناً عاماً وأنتخب سالم ربيع علي أميناً عاماً مساعداً. واجه عبدالفتاح في عهد الرئيس سالم ربيع علي ” سالمين ” تياراً متطرفاً التف حول الرئيس سالم ربيع علي الذي تزعم حركة تثوير المجتمع، من خلال الانتفاضات الفلاحية والتأميم الشامل وإنهاء سلطة البرجوازية الصغيرة، ونشر الثقافة الثورية، ولم ينته هذا التيار إلا بعد أحداث دموية تفاقمت في يونيو 1978م، إثر اغتيال المقدم أحمد الغشمي رئيس الجمهورية في الشمال، وتوصلت اللجنة المركزية للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية مع الرئيس سالم ربيع علي إلى أن يقدم استقالته، والرحيل إلى أديس أبابا، لكن أنصاره اختاروا المواجهة العسكرية وبعد أن حسمت المعركة لصالح أغلبية اللجنة المركزية تعرض الرئيس سالم إلى الاعتقال والمحاكمة الحزبية وحكم عليه بالإعدام.
بعد هذه الأحداث انتخب عبدالفتاح إسماعيل رئيس مجلس هيئة رئاسة مجلس الشعب، وأميناً عاماً للتنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية، وقاد الحوار مع الفصائل اليسارية في الشمال، حتى تم تشكيل الحزب الاشتراكي اليمنـي كحزب لساحة اليمن كلها تأسس في مؤتمر عام عقد في أكتوبر 1978م.
في هذه الأثناء واجه الرئيس عبدالفتاح حرباً اندلعت بين الشمال والجنوب نتج عنها انعقاد مؤتمر قمة في الكويت وفي 30 /مارس/ 1979م، ضَّم رئيسي الشطرين الرئيس عبدالفتاح إسماعيل والرئيس علي عبدا لله صالح اللذين توصلا خلاله إلى اتفاق إنهاء الصراع بين الشمال والجنوب حدد الخطوات العملية لإعادة تحقيق الوحدة اليمنـية على قاعدة الوحدة الاندماجية.
أثار ذلك الاتفاق تحفظ العناصر القيادية ذات الثقل في قيادة الحزب مما خلق أمام عبدالفتاح إسماعيل صعوبات وتآمراً اتخذ شكل التكتل ضده من قبل المكتب السياسي، وتجنباً لأي مواجهة قدم استقالته في 30/ابريل/1980م، في ظل عدم رضى قواعد الحزب الاشتراكي التي أبدت استعدادها للالتفاف حوله. لكنه رفض أي نوع من أنواع المواجهة وفي 25/يونيو/1980م غادر عدن إلى موسكو التي اختارها مكاناً لمنفاه.
عاد عبدالفتاح إسماعيل من منفاه في موسكو إلى أرض الوطن (عدن) في 7/مارس/1985م تحت إلحاح قواعد الحزب الاشتراكي وكوادره وعدد من أعضاء المكتب السياسي بعد أن كشفت الحقائق للجميع من أن استقالته كانت بسبب الضغوط التآمرية التي طوقته، ولم يكن السبب وضعه الصحي، خاصة حين منع من تقديم استقالته أمام اللجنة المركزية.
بعد خمس سنوات عاد عبدالفتاح إلى عدن بقرار من المكتب السياسي استجابة لطلب القواعد الحزبية، وفور عودته تولى منصب سكرتير الدائرة العامة للحزب، لكن عودته جاءت في ظل صراع محتدم على السلطة تمثل في قطبين لكل واحد منهما ثقل قبلي هما الرئيس على ناصر محمد وأنصاره والعميد علي أحمد ناصر عنتر وأنصاره، مما أدى إلى انقسام بين أوساط الحزب، وتعدى الصراع والانقسام إلى حشد قبلي لكل واحد منهما خارج الحزب، حاول عبدالفتاح بكل جهده الحفاظ على وحدة الحزب والاحتكام إلى المؤتمر العام الثالث الذي انعقد في أكتوبر 1985م، وخرج المؤتمر بانتخاب قيادة جديدة، وقرارات لإنهاء الصراع وكان عبدالفتاح من العناصر التي قوبلت باحترام وتأييد، وانتخب عضواً في المكتب السياسي، لكن الخلاف تفاقم بعد المؤتمر عند توزيع الاختصاصات في المكتب السياسي، ولأن أغلبية المكتب السياسي لم تكن مؤيدة للرئيس علي ناصر محمد الأمين العام للحزب، فقد حاول التملص من انعقاد المكتب السياسي، لعدم رضاه بأن يتولى عبدالفتاح الدائرة التنظيمية، وهي أهم الدوائر الحزبية، وانساق الرئيس علي ناصر محمد إلى محاولة التخلص من خصومه، وهو ما حدث في 13/يناير/1986م اليوم الذي تحدد فيه اجتماع المكتب السياسي، وكان علي ناصر قد أوعز لأنصاره من أعضاء المكتب بعدم الحضور، بينما حضر الآخرون من خصومه وحال تواجدهم في قاعة الاجتماع باشر رئيس حرس الرئيس علي ناصر إطلاق النار، قتل على إثرها، على أحمد ناصر عنتر، وصالح مصلح، وعلي شايع، ونجا عبدالفتاح وآخرون، رغم أن بياناً صادراً من الرئيس علي ناصر أذيع بعد ظهر نفس اليوم أعلن فيه عن مقتل عبدالفتاح وهكذا اندلعت حرب دامية دامت عشرة أيام ذهب ضحيتها مئات من كوادر وأعضاء الحزب والمواطنين.
قام عبدالفتاح مع الأحياء من رفاقه بمحاولة إسعاف من أصيبوا، وقام بعدة اتصالات وحال وصول مصفحات يقودها عناصر من الموالين للتكتل المؤيد لتيار علي عنتر، خرج عبدالفتاح من مبنـى اللجنة المركزية واعتلى واحدة منها.
وعن مصيره قيل: إن الدبابة تعرضت للضرب واحترق فيها، وتعددت الحكايات عن مصيره، لكن ما يمكن قوله أنه يعتبر مفقوداً حتى يظهر ما يدل على مصيره.
من يتابع حياة عبدالفتاح إسماعيل النضالية ودوره البارز في كل المراحل-مرحلة النضال، ومرحلة السلطة، أو مرحلة إبعاده عن السلطة يلمس بصفاء ذلك التجانس الدائم والمستمر في تفكير المناضل وممارسته، ويدرك عمق ثقافته التي تربو به إلى مصاف المفكر.
كان عبدالفتاح شاعراً صدر له ديوان بعنوان نجمة تقود البحر، وله عدد من الكتب أهمها كتاب بعنوان مرحلة الثورة الوطنـية الديمقراطية صدر عن دار الفارابي بيروت وكتاب آخر الثقافة الوطنـية صدر عن دار ابن خلدون.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد