ياسين محمد البكالي… شاعر الريف وصوت الوطن

المرصدنيوز/ بقلم/أ /ياسر المسوري 

في أحد أعالي مديرية مزهر بمحافظة ريمة، حيث الجبال تعانق السحاب، وحيث تنبثق القمم كما تنبثق القيم من صدور الرجال، وُلد ياسين محمد البكالي، في قرية الدرجة بعزلة بكال فكان كما الجبل الذي نشأ فيه: صلبًا في مواقفه، نقيًا في سريرته، وشامخًا في كلمته. من بين تلك الصخور، خرج شاعرٌ لا يُشبه إلا نفسه، يحمل الوطن في حروفه كما تحمله الجبال في صدورها.

ما إن بدأت أقرأ له، حتى وجدت في قصائده شيئًا يشبه انتمائي، وحنيني، وقلقي. كنت أتابع شعره بشغف، وأتناول الكثير منه في صفحات صحيفة (الكرامة) تلك المساحة التي تحوّلت مع قلمه إلى محراب يُتلى فيه شعر الوطن، ويُستدعى فيه ضمير الأمة.

لم يكن شعر ياسين البكالي محصورًا في موضوع أو مرتهنًا لعاطفة عابرة بل كان صوتًا جهوريًّا يُنشد للوطن ويتغنّى بـ وحدته الخالدة، ويزهو بـ ثورات سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر كما يزهو اليمني بوشم بندقيته الأولى. كتب للوطن لا من موقع المتفرج، بل من قلب الجرح، ومن خندق الدفاع عن الهوية، وحين كتب عن الوحدة اليمنية، لم تكن مجرد مناسبة بل كانت عقيدة يسكنها وتسكنه.

ولم يتوقف عند حدود الجغرافيا اليمنية، بل حمل همّ الأمة كلّها. كتب عن فلسطين كما لو كانت قريته، وعن القدس كما يكتب العاشق عن أمّه. أنشد للمعلم، وكتب عن المدرسة والدفتر والقلم، لأنه كان يؤمن أن بناء العقول يسبق بناء الجيوش، وأن النشيد الأول للأمة يُكتب على السبورة.

لقد كان ياسين محمد البكالي شاعرًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يكتب من أجل البروز، ولا ينحت القوافي طلبًا للضوء، بل كان صادقًا حتى في صمته، عاليًا حتى في بساطته. قصيدته ليست مجرد جمالية لغوية، بل موقف، وراية، وسارية ترفرف فوق كل منبر وطني حر.

رحل ياسين، لكن صوته ما زال حيًّا، يرنّ في ذاكرتنا كلما صدحت إذاعة أو طُبع ديوان أو مرّت علينا ذكرى وطنية. رحل الجسد، وبقي الشعر يُنشد في أعالي جبال اليمن وجبال ريمة خاصة ويهبط مع السحاب إلى صدور العاشقين للكرامة.

نم هانئًا أيها الشاعر الذي لم تساوم، ولم تُساير، ولم تُهادن. قصائدك ستظل حاضرة بيننا، تعلّمنا كيف يكون الانتماء، وكيف تكون الكلمة خندقًا من نور.

رئيس تحرير صحيفة الكرامة

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 8 =