الإرث الذي لا يظهر في الميزانيات في رحيل الشيخ عبدالرحمن يحيى عبده جلب

المرصدنيوز/بقلم: محمد عبدالله مصلح الصريمي

ثمة أرقام تستطيع الميزانيات أن تحصيها بدقة، وثمة أشياء تعجز عنها كل دفاتر الحساب.

يمكنك أن تحصي ما بناه رجل الأعمال، وما امتلكه، وما أسسه، وما حققه خلال سنوات عمره. لكنك لن تجد في أي ميزانية خانة تقيس عدد الخواطر التي جبرها، ولا البيوت التي دخل إليها خيره، ولا المحتاجين الذين حفظ كرامتهم، ولا ذلك الرصيد الخفي من المحبة الذي يكتشف الناس حجمه يوم يرحل صاحبه.

وعند رحيل الشيخ عبدالرحمن يحيى عبده جلب، بدا أن للرجل رصيدا كبيرا من النوع الذي لا يظهر في الميزانيات.

لم أتشرف بمعرفته شخصيا.

لم أجلس إليه، ولم أسمع منه حديثا، وليس لدي موقف شخصي معه أبدأ به مقال رثاء كما جرت العادة.

وربما لهذا السبب تحديدا وجدت نفسي أكتب.

لأن اللافت في بعض الرجال أنك لا تحتاج إلى أن تعرفهم حتى يصل إليك أثرهم.

تسمع الاسم في أكثر من مكان، وتسمع الحكايات من أناس لا يجمع بينهم شيء سوى أنهم عرفوا الرجل، ثم يأتي يوم رحيله فتخرج من البيوت والمجالس والقلوب شهادات لم يطلبها صاحبها، ولم يعد موجودا ليسمعها.

وهذه، في ظني، من أصدق الشهادات.

عرفت البيت قبل أن أعرف سيرة الرجل

لي مع آل جلب معرفة ومودة أعتز بها.

وعرفت شقيق الفقيد، رجل الاعمال، الوالد الشيخ أحمد يحيى عبده جلب، معرفة مباشرة، وعرفت فيه من طيبة النفس، وكرم الخلق، والتواضع، وحسن المعشر ما يجعل احترامه يأتي قبل أي تعريف باسمه أو مكانته.

وعرفت أبناءه سلطان وأكرم وصدام وصلاح ويحيى ومعاذ، وتربطني بهم صداقة ومعرفة أعتز بها.

كما عرفت من هذا البيت صديقي عهد علي جلب، نجل شقيق الفقيد الشيخ علي يحيى عبده جلب، ومالك قاسم جلب، من أبناء شقيقه الراحل قاسم يحيى عبده جلب.

وحين تعرف الأب وتعرف الأبناء، وتجد في البيت ذاته كرم النفس، والتواضع، وطيب المعشر، واحترام الناس، تدرك أن الأمر أكبر من صفات متفرقة في أشخاص؛ ثمة مدرسة أسرية صنعتها تربية طويلة، وقيم تناقلتها الأجيال، وبيت يرى أن المكانة لا تكتمل إلا بالتواضع، وأن النعمة لا يكتمل معناها إلا حين يكون للآخرين نصيب من خيرها.

ولهذا، عندما بدأت أقرأ ما كتب عن الشيخ عبدالرحمن بعد رحيله، وأسمع ما يرويه الناس عن كرمه وقربه منهم وقضاء حوائجهم، لم أشعر أنني أقرأ عن صفات غريبة عن البيت الذي عرفت بعض رجاله.

بل وجدت نفسي أمام معنى آخر:

كنت أقرأ عن رجل لم أعرفه، لكنني كنت أعرف شيئا من المدرسة التي ينتمي إليها.

فالبيوت العريقة لا تورث أسماءها فقط.

تورث طريقة استقبال الناس، واحترام الكبير والصغير، وحفظ الود، والوقوف عند الشدائد، ومعنى أن تكون للنعمة مسؤولية، وللمكانة واجب، وللاسم تبعات تسبق صاحبه أينما ذهب.

حين يصبح المال مسؤولية

كان الشيخ عبدالرحمن جلب واحدا من كبار رجال الأعمال اليمنيين، لكن أكثر ما استوقفني فيما قيل عنه بعد وفاته لم يكن الحديث عن تجارته.

كان الحديث عن الإنسان.

عن رجل جعل من قدرته على العطاء وسيلة لقضاء حوائج الناس، ومن مكانته بابا يفتح لمن ضاقت أمامه الأبواب.

وقرأت عنه معنى بالغ الجمال: أنه لم يكن ينتظر دائما أن يأتيه المحتاج، بل كان يسعى لمعرفة أحوال المتعففين حتى يصل إليهم الخير دون أن يضطروا إلى السؤال.

وليس كل عطاء سواء.

أن تعطي محتاجا خير.

لكن أن تعطيه وأنت حريص على ألا تكسر شيئا من كرامته، فذلك فهم أعمق للإنسان.

حفظ الكرامة إحسان آخر فوق الإحسان.

وهنا تتحول الثروة من مجرد نجاح شخصي إلى مسؤولية اجتماعية.

فالمال في ذاته لا يقول الكثير عن صاحبه؛ الطريقة التي يستخدمه بها هي التي تفعل.

يمكن للمال أن يصنع مسافة بين الإنسان والناس، ويمكن للإنسان نفسه أن يجعله جسرا إليهم.

وما تتناقله الناس اليوم عن الشيخ عبدالرحمن يقول إنه اختار الجسر.

الاختبار الأخير للنجاح

نحن في عالم الأعمال نملك مقاييس كثيرة للنجاح.

نقيس النمو، والأصول، والاستثمارات، والحصة السوقية، والانتشار، وعدد السنوات، وحجم الإنجاز.

وكلها مقاييس مهمة.

لكن رحيل رجال من أمثال الشيخ عبدالرحمن يذكرنا بمقياس آخر لا يظهر في تقارير الشركات:

ماذا فعل نجاحك بالناس من حولك؟

هل اتسعت مع اتساع رزقك دائرة الخير؟

هل أصبحت مكانتك سنداً لمن لا مكانة له؟

هل فتح نجاحك باب رزق لإنسان، أو أغلق باب حاجة عن أسرة، أو أعاد الأمل إلى شخص انقطعت به السبل؟

ثم، حين ينتهي كل شيء، كيف يذكرك الناس عندما يصبح مدحهم لا يزيدك شيئاً، ونقدهم لا ينقص منك شيئاً؟

ذلك ربما يكون الامتحان الأخير للسيرة.

فالإنسان يستطيع في حياته أن يصنع لنفسه صورة، لكنه بعد موته يترك للناس وحدهم أن يرووا قصته.

وحين تتعدد الروايات وتتفق على الخير، فثمة شيء يستحق الوقوف عنده.

ما يبقى

هناك من يرحل ويترك مالاً.

وهناك من يترك أعمالاً ومؤسسات.

وهناك من يترك اسماً معروفاً.

وقلة من الرجال يوفقهم الله لأن يتركوا ذلك كله، ثم يضيفوا إليه شيئا لا يشترى ولا يورث بمجرد المال:

دعاء الناس.

أن يرحل الإنسان فتدعو له أسرة لا تحمل اسمه لأنه وقف معها يوما.

وأن يذكره محتاج لم يعرف الناس أنه أعانه.

وأن يشعر بفقده أناس لا تربطهم به قرابة.

وأن تصبح سيرته بعد موته تذكيرا للأحياء بأن المال يستطيع أن يكون أداةً للرحمة كما هو أداة للبناء والاستثمار.

ذلك إرث من نوع آخر.

إرث لا يحتاج إلى وثيقة ملكية، ولا ينتقل بعقد، ولا تستطيع الأرقام تقدير قيمته.

إلى آل جلب

إلى أبناء الفقيد وأسرته، وإلى شقيقيه الوالد الشيخ أحمد يحيى عبده جلب والشيخ علي يحيى عبده جلب، وإلى أبناء إخوته وأحفاد هذا البيت الكريم، وإلى آل جلب كافة:

أعظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وجبر مصابكم.

وإن كان في المصاب من عزاء، فلعل من أعظمه أن يرى أهل الراحل بعد موته كيف عاش اسمه في صدور الناس، وكم من الألسن لم تجد وهي تذكره إلا خيرا، وكم من الأكف ارتفعت له بالدعاء.

أما أنا، فلم أعرف الشيخ عبدالرحمن يحيى عبده جلب شخصيا، ولا أريد بعد رحيله أن أدعي معرفة لم تكن لي.

لكنني عرفت رجالا من بيته، ورأيت فيهم من كريم الخصال ما جعلني أفهم جانبا مما سمعت عنه.

ثم رأيت الناس يتحدثون.

وعندها أدركت أن بعض الرجال نستدل عليهم بأثرهم، كما نستدل على الشجرة الطيبة بطيب ثمرها.

رحم الله الشيخ عبدالرحمن يحيى عبده جلب رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما أنفق وأعطى وجبر وأعان في ميزان حسناته، وبارك في أبنائه وإخوته وذريته وآل بيته.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتمناه المرء بعد رحلة طويلة في هذه الدنيا:

أن تغلق دفاتره في الأرض، وتبقى حساباته مفتوحة في السماء؛ وأن يتوقف عدُّ ما جمع، ويبدأ الناس في عدِّ ما أعطى.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × ثلاثة =