مأرب والمخا.. مفاتيح القوة في الصراع الاستراتيجي على اليمن

بقلم/ محمد الصالحي

لم تكن مأرب والمخا يوماً مجرد جبهتين عسكريتين في خارطة الحرب على اليمن، ولم يكن هذا الاهتمام الإقليمي والدولي المتواصل بهما نابعاً من اعتبارات ميدانية عابرة. فخلف كل ذلك تقف جغرافيا شديدة الحساسية، وثروات طبيعية وممرات بحرية تمنح اليمن أوراق قوة لا تريد القوى الخارجية أن تمتلك صنعاء قرارها المستقل بشأنها. ولهذا فإن من يقرأ الصراع على مأرب والمخا باعتباره مجرد صراع على الأرض، يفوّت جوهر المعركة الحقيقي؛ فالمسألة في عمقها صراع على مفاتيح القوة التي يمكن أن تحدد مستقبل اليمن لعقود قادمة.

مأرب ليست مجرد محافظة نفطية، وليست مجرد مدينة تحولت إلى مركز لسلطة دول العدوان ومرتزقتها وأدواتها خلال سنوات الحرب. أهميتها الحقيقية تكمن في موقعها داخل منظومة الثروة والطاقة اليمنية، وفي كونها بوابة جغرافية باتجاه المحافظات الشرقية، وهي مناطق ترتبط بأهمية كبيرة في خريطة الموارد الطبيعية والطاقة في اليمن. ولذلك فإن إبقاء مأرب خارج سيطرة الدولة اليمنية المستقلة لم يكن مجرد نتيجة عسكرية للحرب، بل ظل جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بمن يملك قرار الثروة اليمنية ومن يتحكم في مواردها وعوائدها.

فالثروة في الدول ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما إحدى أهم أدوات السيادة. والدولة التي لا تملك قرار نفطها وغازها ومواردها الطبيعية لا تملك استقلالها الاقتصادي كاملاً، مهما امتلكت من مؤسسات وأعلام وحدود. ومن هنا يصبح الصراع على مأرب صراعاً على أكثر من حقول ومنشآت؛ إنه صراع على من يملك حق تقرير مصير الموارد اليمنية، ومن يحدد أين تذهب عوائدها، ومن يستخدمها لبناء الدولة، ومن يحولها إلى مصدر تمويل للنفوذ المحلي والإقليمي.

والأخطر أن مأرب لا تقف عند حدود ما هو مكتشف أو منتج اليوم، فالمساحات الواسعة الممتدة في المحافظات الشرقية تحمل إمكانات كبيرة في مجال الطاقة والثروات الطبيعية، بما في ذلك مناطق لم تستنفد إمكاناتها الاستكشافية بعد. ولذلك فإن السيطرة على هذه الجغرافيا تعني امتلاك فرصة التأثير في حاضر اليمن الاقتصادي ومستقبله معاً. ومن هنا يمكن فهم لماذا تصبح مأرب هدفاً استراتيجياً لا يمكن فصلها عن الصراع على الجوف وشبوة وحضرموت والمهرة، ولا عن المعركة الأوسع حول الثروة والمنافذ وخطوط التصدير.

وإذا كانت مأرب تمثل مفتاح الثروة والطاقة، فإن المخا تمثل الوجه الآخر من المعادلة: مفتاح البحر. فالمخا تقع على الساحل الغربي لليمن ضمن نطاق جغرافي بالغ الحساسية بالقرب من باب المندب، الذي يمثل إحدى أهم نقاط العبور البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويرتبط بحركة التجارة الدولية ومصالح اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود المنطقة.

ولهذا فإن المخا لا يمكن اختزالها في كونها مدينة ساحلية. موقعها يمنحها قيمة استراتيجية كبيرة في حسابات البحر الأحمر والملاحة الدولية، ويجعل السيطرة على الساحل الغربي ورقة من أوراق النفوذ في واحدة من أكثر المناطق البحرية حساسية في العالم. ومن هنا فإن الصراع حول المخا يرتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالسؤال عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه اليمن في أمن الملاحة الإقليمية والدولية، وعن حجم النفوذ الذي يمكن أن تمتلكه الدولة اليمنية على واجهتها البحرية.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى في الصراع على اليمن: بلد يمتلك موارد طاقة مهمة، ويمتلك أطول سواحل في شبه الجزيرة العربية، ويطل على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، ويشرف على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ومع ذلك جرى التعامل معه لعقود وكأنه مجرد ساحة مفتوحة لتقاسم النفوذ وفرض الوصاية.

لم تكن الحرب على اليمن منفصلة عن هذه الحقيقة الجغرافية. فكلما حاول اليمن أن يستعيد قراره المستقل في موارده ومنافذه وموقعه، اصطدم بشبكة من المصالح الخارجية التي تريد يمنًا ضعيفاً، مجزأً، مرتهناً، ومحرومًا من تحويل جغرافيته وثرواته إلى عناصر قوة وطنية. ولهذا فإن الصراع لم يكن فقط على من يحكم اليمن، وإنما على أي يمن يُراد له أن يكون موجوداً أصلاً.

إن إبقاء مناطق الثروة تحت نفوذ أدوات محلية مرتبطة بالخارج، وإبقاء الموانئ والمنافذ الاستراتيجية خارج القرار الوطني الجامع، يؤدي في المحصلة إلى تجريد الدولة من أهم أدوات قوتها. وعندما تُدار الموارد بعيداً عن القرار السيادي، تتحول الثروة من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة لإدامة الانقسام، ويتحول الموقع الجغرافي من مصدر قوة لليمن إلى مصدر قوة للآخرين.

ومن هنا تكتسب مأرب والمخا أهميتهما الحقيقية؛ فهما تمثلان طرفين متكاملين من معادلة القوة اليمنية. مأرب تفتح الطريق إلى منظومة الطاقة والثروة والامتداد نحو الشرق، والمخا تفتح الطريق إلى البحر والملاحة والممرات الدولية. وإذا اجتمعت هذه العناصر ضمن قرار وطني مستقل، فإن اليمن لن يكون مجرد متلقٍ لتوازنات المنطقة، بل يمكن أن يتحول إلى طرف مؤثر فيها.

وهذا تحديداً هو ما يجعل السيطرة الوطنية على هذه الجغرافيا مصدر قلق للقوى التي بنت نفوذها في اليمن على قاعدة التجزئة والارتهان. فاليمن القوي بموارده وموقعه ليس كاليمن الذي تُستنزف ثرواته وتُقسم جغرافيته وتُدار موانئه ومنافذه عبر وكلاء متعددين. واليمن الذي يمتلك قرار موارده وسواحله ليس كاليمن الذي يُطلب منه أن يكون تابعاً في أمنه واقتصاده وسياساته.

لقد حاولت القوى الخارجية، طوال سنوات الحرب، أن تجعل من الجغرافيا اليمنية أدوات لخدمة مصالحها: هذه المنطقة للنفط، وتلك للغاز، وهذا الساحل للموانئ، وتلك الجزر للمراقبة والنفوذ، وهذه الطرق للممرات التجارية. لكن المشكلة بالنسبة لهذه القوى تبدأ عندما تتحول هذه الجغرافيا من مناطق نفوذ متفرقة إلى منظومة قوة تحت قرار وطني واحد.

ولهذا فإن مأرب والمخا ليستا مجرد أهداف عسكرية، بل عقدتان استراتيجيتان في معركة أوسع على السيادة اليمنية. ومن يسيطر على مأرب لا يقترب فقط من السيطرة على جبهة، بل يقترب من منظومة الثروة والطاقة والامتداد نحو الشرق. ومن يفرض حضوره على المخا لا يسيطر فقط على ساحل، بل يقترب من واحدة من أهم الواجهات البحرية في الجغرافيا اليمنية.

إن جوهر المعركة إذن ليس: من يسيطر على مأرب والمخا؟ فقط، بل: من يمتلك مفاتيح القوة في اليمن؟ ومن يملك القرار في ثروته؟ ومن يتحكم في منافذه؟ ومن يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي من عبء تتصارع عليه القوى الخارجية إلى قوة تحمي مصالحه وتفرض حضوره؟

ولهذا فإن الحديث عن تحرير مأرب والمخا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تغيير في خطوط السيطرة العسكرية، وإنما باعتباره جزءاً من معركة أوسع لاستعادة القرار الوطني على الأرض والثروة والموانئ والممرات. فاستعادة الجغرافيا لا تكتمل إذا بقيت الثروة رهينة، ولا تكتمل السيادة إذا ظلت الموانئ والمنافذ خارج القرار الوطني.

وفي المحصلة، فإن مأرب والمخا تكشفان بوضوح طبيعة الصراع الاستراتيجي على اليمن: صراع على الثروة من جهة، وعلى البحر من جهة أخرى، وعلى السيادة والقرار من الجهتين. ولهذا ستظل القوى الخارجية حريصة على منع قيام معادلة يمنية مستقلة تمتلك هذه المفاتيح مجتمعة؛ لأن اليمن الذي يملك ثروته، ويتحكم في منافذه، ويمتلك قراره، ويعرف قيمة موقعه الجغرافي، لن يكون ساحة سهلة للوصاية أو النفوذ.

مأرب والمخا، إذن، ليستا هامشاً في الصراع على اليمن، بل من مفاتيحه الأساسية. ومن يختزل المعركة فيهما في بعدها العسكري فقط، فإنه لا يرى سوى ظاهر الصراع، بينما المعركة الأعمق تدور حول سؤال أكثر خطورة: هل يبقى اليمن جغرافيا غنية وموقعاً استراتيجياً تتقاسم القوى الخارجية النفوذ عليه، أم يتحول إلى دولة تمتلك مفاتيح قوتها وتستخدم ثروتها وجغرافيتها وموقعها لصناعة قرارها وسيادتها؟

نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد ٢٤٧٣، الاثنين تاريخ ٢٥ ربيع اول ١٤٤٨هـ، ٧ سبتمبر ٢٠٢٦م

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + 16 =