حين لا يكون الدخان قرارا شخصيا

محمد صالح حاتم

حين يشعل شخص سيجارته، قد يعتقد أن الأمر يخصه وحده؛ فهو الذي اشترى السيجارة، وهو الذي أشعلها، وهو الذي يستنشق دخانها. لكن هذه الفكرة تسقط في اللحظة التي يصل فيها الدخان إلى أنفاس شخص آخر.

هنا لم تعد المسألة قرارا فرديا.

فالدخان لا يعرف الحدود التي يرسمها المدخن حول نفسه، ولا يتوقف عند المساحة التي يجلس فيها. يتسلل إلى الغرفة، ويملأ المكان، ويصل إلى الزوجة والأطفال والوالدين والزملاء وكل من يشاركه المكان، فيجعلهم شركاء في نتيجة لم يختاروا أن يكونوا جزءًا منها.

وهذا هو الجانب الذي كثيرًا ما يغيب عن النقاش حول التدخين: أن غير المدخن قد يدفع ثمن عادة لم يمارسها أصلًا.

تؤكد منظمة الصحة العالمية أنه لا يوجد مستوى آمن من التعرض للتدخين السلبي، وأن التعرض لدخان التبغ يمكن أن يسبب أمراض القلب والجهاز التنفسي والسرطان، وأنه يتسبب سنويًا في وفاة مئات الآلاف بين غير المدخنين.

ولذلك، فإن عبارة: «أنا أدخن لنفسي» ليست دقيقة عندما يكون التدخين في المنزل أو المكتب أو وسائل المواصلات أو صالات الأفراح والعزاء أو أي مكان مغلق يجتمع فيه آخرون.

فالطفل الذي يجلس إلى جوار أبيه لا يستطيع أن يقول له: لا أريد أن أستنشق هذا الدخان. والزوجة التي تشارك زوجها غرفة مغلقة لم تختر أن تكون مدخنة. والعامل الذي يجد نفسه في مكان عمل مليء بالدخان لم يشترِ سيجارة واحدة، وراكب الذي فوق الباص والحافلة مجبرا أن يستنشق هواء غير صحي.

فأين تنتهي حرية المدخن، وأين تبدأ حقوق الآخرين؟

هذا السؤال يستحق أن يكون في صدارة أي نقاش مجتمعي حول التدخين.

إن حماية غير المدخنين لا تعني الدخول في مواجهة مع المدخنين، ولا تعني إدانة الأشخاص، وإنما تعني ترسيخ قاعدة بسيطة: لا تجعل قرارك الشخصي ضررًا مفروضًا على الآخرين.

والأخطر أن بعض البيوت قد تتحول إلى مساحة مغلقة يتكرر فيها التعرض للدخان يوميًا، فيصبح الأمر عادة مستمرة لا حادثة عابرة. وكلما طال التعرض وتكرر، ازدادت المشكلة الصحية.

والشيشة ليست استثناءً من ذلك. فدخانها لا يضر مستخدمها وحده، بل يحمل خطرًا على الموجودين في المكان أيضًا، لأن دخان الشيشة يتكون من دخان التبغ ودخان مصدر التسخين، مثل الفحم، الذي ينتج بدوره أول أكسيد الكربون ومواد سامة أخرى. كما أن مرور الدخان عبر الماء لا يجعله آمنًا ولا يزيل مخاطره.

حتى التدخين الإلكتروني الذي يظن البعض أنه لا علاقة له بالتدخين السلبي ليس خارج دائرة المسؤولية؛ فالرذاذ الناتج عن بعض السجائر الإلكترونية قد يحتوي على النيكوتين ومواد أخرى ضارة، ويمكن أن يتعرض لها المحيطون بالمستخدم.

ومن هنا، فإن القضية ليست: أيهما أفضل؛ السيجارة أم الشيشة أم الإلكترونية؟

القضية الأهم هي: كيف نحمي الإنسان الذي لم يختر التدخين أصلًا؟

نحتاج إلى أن تتحول حماية غير المدخنين من مجرد نصيحة إلى ثقافة اجتماعية واضحة: لا تدخين في المنازل أمام الأطفال، ولا في وسائل المواصلات، ولا في الأماكن المغلقة التي يوجد فيها الآخرون، ولا في المناسبات التي يُفترض أن تكون مساحة للفرح لا مصدرًا للأذى.

وفي الوقت نفسه، يحتاج المدخن نفسه إلى من يساعده على الإقلاع، لا إلى من يكتفي بتوبيخه. فالنيكوتين مادة شديدة الإدمان، والإقلاع قد يكون صعبًا، لكن الصعوبة لا تعني الاستسلام.

إن أجمل ما يمكن أن يفعله المدخن تجاه أسرته ليس أن يطلب منها تحمل رائحة دخانه، وإنما أن يبدأ رحلة التخلص منه.

وفي كل مرة يفكر فيها شخص في إشعال سيجارته داخل مكان مغلق، عليه أن يتذكر أن هناك من حوله رئة لا تملك خيار الابتعاد، وطفلًا لا يملك حق اختيار الهواء الذي يتنفسه، وإنسانًا قد يدفع صحيًا ثمن قرار لم يتخذه.

دخانك قد ينتهي في دقائق، لكن أثره على غيرك قد لا ينتهي بهذه السرعة.

فالامتناع عن التدخين في الأماكن المغلقة ليس مجاملة للآخرين، وإنما احترام لحقهم في الحياة والهواء النظيف.

 

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 15 =