– يرويها من صنعاء: خالد شعفل.
– تصوير: عبد العزيز عمر.
عند الساعة السادسة من صباح كل يوم، لا يوقظ أهالي شارع حدة بالعاصمة اليمنية صنعاء صوت المنبه، بل رفيف ألفي جناح لألف طائر يهز السماء.
هناك، خلف الأبواب الحديدية العادية، تختبئ مملكة غير عادية.. إنها أكبر مهجع للحمام الزاجل في اليمن.
وقفنا أمام رجل في الستين من عمره، ظهره يؤلمه من سنوات العمل، لكن عينيه تلمعان عندما يتحدث عن طيوره، إنه مشير ياسين أحمد السقاف، عضو الاتحاد اليمني للحمام الزاجل، وأحد أبرز وأكبر المربين في اليمن.
يفتح قفص المهجع الأول ويقول جملته التي لخصت كل شيء: “أنا أهواهم من قلبي كما أهوى أولادي.. بدأت هوايتي معهم منذ كنت طفلاً صغيراً حافي القدمين، واليوم لي 40 سنة معهم”.
*ألف بطل.. للحمام الزاجل في صنعاء:
لا نتحدث هنا عن حمام عادي، بل إنها في مزرعة السقاف أكثر من 1000 طير، كل واحد بجواز سفر وسلالة.
يشير بيده: “هذا حمام زاجل يمني وذلك ألماني.. وهنا جانسون بلجيكي.. هذا درجة أولى.. اشتريت وجلبت حماماً من كل أنحاء العالم والحمد لله ما خيبوش ظني فيهم”.
هذه الطيور ليست للزينة، إنها أبطال المسافات القصيرة والطويلة.. طارت من عدن إلى صنعاء، ومن المكلا إلى صنعاء، قاطعة مئات الكيلومترات لتعود إلى نفس موطنها الأصلي في نفس النافذة، إلى نفس المربي الذي ينتظرها.
يقولها بتحدٍ: “حمامي جاهز ليقطع أي مسافة وفي أي دولة في العالم.. فقط أعطوني فرصة المشاركة في سباق”.
*فاتورة العشق والحب: 150 ألف كل شهر:
المفاجأة كانت عندما سألناه عن الدعم، ضحك بمرارة وقال: “لا يوجد أي دعم من أحد.. كله بجهد شخصي من جيبي الخاص”..
يكشف السقاف أنه ينفق 150 ألف ريال يمني شهرياً فقط ثمن 15 نوعاً من الحبوب والفيتامينات والأدوية.. يعتني بها بنفسه بمساعدة ولده المطيع، رغم أنه يعاني من مشاكل مزمنة في العمود الفقري.. “أحياناً لا أستطيع الوقوف، لكني عندما أسمع أصواتهم أنسى التعب والمرض.. هم علاجي”.
*تحديات في طريق البطل:
رغم الحب والعشق، الا انه وحده لا يكفي، خصوصاً وانه لا يخلو من الصعوبات والتحديات التي يلخصها السقاف.. في ” صعوبة نقل الحمام حالياً بين المدن بسبب طول وقت الطريق والإجهاد الذي يتعرض له الطير قبل السباق، والنظرة والمفاهيم الخاطئة عندما نمر ببعض النقاط العسكرية أثناء نقل طيور السباق، لا أحد يفهم أن هذا طير سباق ثمنه أغلى من كل شيء، وشح الدعم والتمويل الحكومي، حيث يعتمد كلياً على جهده الشخصي”.
لهذا السبب، يطالب السقاف وزارة الشباب والرياضة بالتدخل العاجل، بإعادة أحياء رياضة الحمام الزاجل من جديد، ودعم جهود رئيس اتحاد الأستاذ عبد الجليل السنباني، الرجل الذي وصفه بـ “المجاهد” لأنه المؤسس الذي انتزع الاعتراف العربي للاتحاد اليمني من بين الركام.
*اللحظة التي ملأت السماء:
قبل أن نغادر مملكته، طلبنا منه أن يرينا شيئاً.. صعد إلى سطح المهجع، وبحضور رئيس الاتحاد السنباني، أطلق صافرته.
في ثوانٍ، انفجرت السماء.. 1000 طير دفعة واحدة غطت سماء حدة، دارت عدة دورات كاملة فوقنا ثم عادت كسرب طائرات حربية منظمة.
كان المشهد مهيباً.. صمتنا جميعاً.
التفت إلينا السقاف والدمع في عينيه وقال: “شُفتم؟.. هذا هو الوفاء.. تعطيه حب يرجع لك ولو من آخر الدنيا.. لهذا أقول للهواة لا تتعاملوا معه كسلعة، تعاملوا معه كصديق.. إنه أول ساعي بريد عرفه التاريخ، ولن يكون الأخير”.
انتهت الزيارة، لكن رفيف الأجنحة بقي في آذاننا.. ليحكي لنا ياحضرات أن حكاية السقاف مع الحمام الزاجل قصة عشق لا تنتهي لأول ساعي بريد في التاريخ.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد