من يتحدث باسم قبائل اليمن؟ جنيف تفتح ملف التفويض والمال!!!

شذارات استراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم

كتب / مصطفى بن خالد

من يتحدث باسم قبائل اليمن؟ جنيف تفتح ملف التفويض والمال!!

مؤتمر ميثاق الشرف القبلي في جنيف تحت مجهر عدالة التمثيل والشفافية المالية: من يملك حق التحدث باسم اليمنيين، ومن دفع فاتورة المؤتمر؟

لم يكن انعقاد مؤتمر ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين في قصر الأمم المتحدة بجنيف، يوم 29 أكتوبر 2026، مجرد فعالية عابرة؛ فحين يتعلق الأمر بالقبيلة والتمثيل والسلام ومستقبل المجتمع اليمني، يصبح من الضروري طرح أسئلة تتجاوز انعقاد المؤتمر وصياغة الميثاق: من اختار المشاركين؟ ومن فوّضهم للتحدث باسم القبائل؟ وبأي معايير؟ ومن موّل المؤتمر؟ وكيف أُنفقت الأموال؟ وما النتائج التي تحققت؟

هذه ليست أسئلة تشكيكية بقدر ما هي استحقاقات مشروعة لأي مبادرة تقدم نفسها بوصفها إطاراً جامعاً للعمل القبلي من أجل حماية المدنيين وتعزيز السلم الأهلي.

أولاً: من فوّض المشاركين للتحدث باسم القبائل اليمنية؟

السؤال الجوهري هو: هل شارك الحاضرون بصفتهم الشخصية، أم باعتبارهم ممثلين مفوضين عن قبائلهم ومناطقهم؟

فهناك فرق شاسع بين حضور شيخ أو شخصية اجتماعية بصفته الفردية، وبين امتلاكه تفويضاً حقيقياً من القبيلة التي يتحدث باسمها.
فبعد أكثر من اثني عشر عاماً من الحرب والهجرة والاغتراب، لا يمكن افتراض أن المكانة الاجتماعية القديمة ما زالت تعني الحاضنة الشعبية ذاتها، أو أن الألقاب تحتفظ تلقائياً بحق تمثيل الناس.

لقد غادرت بعض الشخصيات اليمن، وابتعدت سنوات عن مجتمعاتها، بينما ظل أبناء قبائلها يواجهون الحرب والدمار والفقر والنزوح وانعدام أبسط مقومات الحياة.

وفي المقابل، عاش بعض هؤلاء في الخارج مع أسرهم في ظروف معيشية ميسورة، مستفيدين من ميزانيات ومخصصات ومصادر دخل مختلفة.
وهذا يفرض سؤالاً لا يجوز تجاهله: كيف يمكن لمن انقطع عن معاناة مجتمعه وابتعد عن واقعه كل هذه السنوات أن يدّعي اليوم تمثيله، دون أن يثبت استمرار ثقة الناس به؟

لسنا هنا بصدد الاعتراض على حق أحد في الهجرة أو طلب الأمان، وإنما على افتراض أن اللقب الاجتماعي يمنح صاحبه تفويضاً أبدياً.

فالقبيلة ليست ملكاً لأحد، والتمثيل ليس امتيازاً يُحمل في حقائب السفر، والحاضنة الشعبية لا تُورث ولا تُستعاد بدعوة إلى مؤتمر دولي؛ بل تُثبت بالحضور بين الناس، ومشاركتهم معاناتهم، واحترام إرادتهم، والحصول على ثقتهم وتفويضهم

واليمن بتنوعه القبلي والمناطقي والاجتماعي لا يمكن اختزاله في مجموعة محدودة من الأسماء، مهما كانت مكانتها.

لذلك، من حق الرأي العام معرفة:
• من صاغ الميثاق ووضع قائمة المشاركين، وما المعايير المعتمدة للاختيار؟
• هل جرى التشاور مع القبائل ومرجعياتها المحلية؟
• هل يحمل المشاركون تفويضات واضحة، أم شاركوا بصفتهم الشخصية؟
• هل أُتيحت الفرصة لمختلف المرجعيات والمكونات القبلية؟
• كيف ضُمن التوازن في تمثيل المناطق والفئات الاجتماعية؟

فالتمثيل ليس لقباً أو بطاقة دعوة أو صورة جماعية في قاعة دولية؛ بل تفويض وثقة ومسؤولية ومساءلة.

ثانياً: أين عدالة التمثيل والتنوع المجتمعي؟

لا تقتصر عدالة التمثيل على اختيار شخصيات من مناطق جغرافية مختلفة، بل تشمل الاستماع إلى التنوع داخل كل منطقة ومجتمع.

إن الحديث عن حماية المدنيين وبناء السلم الأهلي يتطلب مشاركة الفئات التي تحملت العبئ الأكبر من النزاع.
ومن دون هذه الشمولية، يصعب اعتبار أي مخرجات تعبيراً عن توافق مجتمعي واسع.

ثالثاً: ما مسؤولية الجهة المنظمة عن معايير الاختيار؟

إذا كانت المبادرة قد نُظمت في إطار مؤسسي دولي، فإن ذلك يضاعف أهمية الشفافية في إجراءاتها.
ومن حق الرأي العام توجيه أسئلة إلى مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (DCAF) بشأن آلية اختيار المشاركين، والمعايير التي استند إليها، وطبيعة المشاورات السابقة للمؤتمر، ومدى التحقق من التفويضات والتمثيل.
كما ينبغي توضيح الأدوار المهنية للمسؤولين والمستشارين المشاركين في الإعداد والتنظيم، استناداً إلى المهام والوثائق، بعيداً عن الاتهامات أو الاستنتاجات غير المثبتة.
فمن الواضح وجود اقصاء وانحياز و أجندة غير معلنة، ويجب إتاحة المعلومات التي تمكّن الجمهور من تقييم الإجراءات بصورة موضوعية.

رابعاً: من موّل المؤتمر؟ وأين التقرير المالي؟

لا تقل الشفافية المالية أهمية عن عدالة التمثيل.
فالمؤتمرات الدولية تتطلب ميزانيات تشمل السفر والإقامة والنقل والتنظيم والترجمة والتوثيق والإعلام والاستشارات والإدارة وغيرها من النفقات.

ومن حق الرأي العام معرفة مصادر تمويل مبادرة تتناول قضية يمنية عامة، وحجم الإنفاق عليها، ومدى تناسب المصروفات مع أهدافها ونتائجها.
وهذا لا يعني اتهام المنظمين بالفساد أو افتراض وجود مخالفات، بل المطالبة بمبدأ أساسي في إدارة المشروعات الممولة دولياً: الإفصاح عن الموارد وأوجه إنفاقها والنتائج المتحققة.

وعليه، تبرز الأسئلة التالية:
1. مصادر التمويل: من موّل المؤتمر؟ وهل جاء التمويل من جهات سويسرية أو هولندية أو مانحين دوليين آخرين؟
2. التكلفة الإجمالية: كم بلغت الميزانية المخصصة للمؤتمر والمشاورات والأنشطة المرتبطة به؟
3. السفر والإقامة: كم أُنفق على تذاكر السفر والفنادق والنقل؟ وما المعايير المعتمدة لتحديد هذه النفقات؟
4. البدلات والمكافآت: هل حصل المشاركون على بدلات يومية أو مكافآت؟ وما قيمتها ومعايير صرفها؟
5. التنظيم والاستشارات: ما حجم الإنفاق على القاعات والضيافة والترجمة والإعلام والتوثيق والاستشاريين والتنسيق والإدارة؟
6. التعاقدات: كيف جرى اختيار الموردين ومقدمي الخدمات؟ وهل اتُّبعت إجراءات تنافسية واضحة؟
7. التدقيق والمساءلة: هل توجد ميزانية معتمدة وتقرير مالي ختامي؟ وهل خضعت المصروفات لمراجعة أو تدقيق مستقل؟
8. النتائج: ما الأثر العملي الذي تحقق مقابل الأموال المنفقة؟ وما المؤشرات التي تثبت نجاح المبادرة في تحقيق أهدافها؟
إن نشر ملخص مالي واضح يتضمن، نتائج المراجعة المالية، من شأنه تعزيز الثقة في المبادرة.
فالتمويل الدولي لا ينبغي أن يكون منطقة مغلقة أمام الأسئلة المشروعة، وعناوين السلام لا تعفي المشروعات من المساءلة.

خامساً: لماذا جنيف؟ وهل المكان يعوّض غياب التفويض؟

لا خلاف على أهمية الاستفادة من المنصات الدولية لدعم جهود السلام، لكن يبقى السؤال عن الجدوى العملية والاقتصادية لعقد مؤتمر يتناول قضايا القبائل والمجتمعات اليمنية خارج البلاد.
هل كانت هناك ضرورة لعقده في جنيف؟ وهل دُرست تكاليف مشاركة الشخصيات اليمنية؟ وهل كان بالإمكان توجيه جزء من الموارد إلى أنشطة ميدانية مباشرة تدعم الوساطة المحلية وحماية المدنيين؟
كما ينبغي التوضيح أن انعقاد فعالية في قصر الأمم المتحدة لا يعني أن المنظمة الدولية تبنت الميثاق أو صادقت على شرعية المشاركين.
فالمكان يمنح الفعالية حضوراً دولياً، لكنه لا يمنحها تفويضاً شعبياً أو قبلياً.

سادساً: هل الميثاق قابل للتنفيذ؟

إن مبادئ حماية المدنيين واحترام الأسرى والمنشآت المدنية والوساطة وحل النزاعات وتعزيز السلم الأهلي أهداف إيجابية، لكن قيمتها الحقيقية تتوقف على وجود آليات عملية لتنفيذها.

لذلك، ينبغي توضيح:
• من سيتولى متابعة تنفيذ الميثاق؟
• ما آلية رصد الانتهاكات وتلقي الشكاوى؟
• كيف ستتم مساءلة الأطراف التي لا تلتزم بمبادئه؟
• ما المؤشرات التي ستُستخدم لقياس النتائج؟
• كيف ستُحدد العلاقة بين الدور القبلي ومؤسسات الدولة؟
فالقبيلة تستطيع أداء دور مهم في الوساطة واحتواء النزاعات، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القضاء ومؤسسات الدولة أو إلى سلطة موازية خارج إطار القانون.

سابعاً: ما المطلوب من الجهة المنظمة؟

حتى تتحول هذه التساؤلات إلى مسار عملي للشفافية والمساءلة، فإن المطلوب نشر المعلومات والوثائق التالية:
1. القائمة الكاملة للمشاركين، وصفاتهم ومناطقهم، مع تحديد ما إذا كانت مشاركتهم شخصية أم تمثيلية.
2. معايير الاختيار والجهات التي شاركت في الترشيح والتشاور.
3. توضيح طبيعة التفويضات وآليات التحقق منها.
4. ملخص المشاورات السابقة للمؤتمر، والمناطق والفئات التي شملتها.
5. مصادر التمويل والجهات المانحة وطبيعة مساهمة كل جهة.
6. ملخص الميزانية والمصروفات الفعلية، بما يشمل السفر والإقامة والبدلات والتنظيم والاستشارات.
7. التقرير المالي الختامي ونتائج أي مراجعة أو تدقيق مستقل.
8. النص النهائي للميثاق وآليات تنفيذه ومتابعته.
9. تقرير عن النتائج العملية للمبادرة ومدى انعكاسها على حماية المدنيين والسلم الأهلي.
10. آلية تتيح للمكونات والشخصيات التي ترى أنها استُبعدت تقديم اعتراضاتها وملاحظاتها.

هذه المطالب لا تستهدف جهة بعينها، ولا تفترض وجود مخالفات، وإنما تنطلق من حق المجتمع في معرفة كيفية إدارة المبادرات التي تتناول قضاياه وتستخدم موارد مخصصة لخدمتها.

الخلاصة:

لسنا ضد أن يجتمع اليمنيون في جنيف، ولسنا ضد تمويل المبادرات التي تسعى إلى إحلال السلام وحماية المدنيين، ولسنا ضد الدور الإيجابي الذي يمكن أن تؤديه القبيلة في الوساطة وإصلاح ذات البين.

لكننا ضد أن تتحول عناوين السلام والقبيلة والتمثيل إلى مظلة تعفي أي جهة من الإجابة عن الأسئلة الأساسية.

كما إن عدالة التمثيل لا تثبت بالبيانات، والشفافية المالية لا تتحقق بالشعارات، والنجاح لا يقاس بانعقاد المؤتمر وحده.

ومن حق اليمنيين أن يعرفوا كيف جرى تمثيلهم، وكيف أُديرت الموارد التي خُصصت لمبادرة تتحدث باسم قضاياهم، وما الأثر الحقيقي الذي ستتركه هذه المبادرة في حياتهم.

فجنيف قد تمنح المؤتمر منصة دولية، لكنها لا تمنح أحداً تفويضاً قبلياً، ولا تعفي المنظمين من المساءلة.

التمثيل يثبته التفويض والثقة، والتمويل تبرره النتائج، والشفافية هي الطريق إلى بناء المصداقية.

 

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − تسعة =