رمضان في زمن الغلاء: حكاية صائم بين الهموم

المرصدنيوز/ بقلم /نعائم خالد

ها قد أقبل شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة، ولكن يبدو أن نكهته هذا العام تختلف عن كل عام. فبدلاً من الروحانية والسكينة، شعرت وكأنني أستعد لمواجهة معركة من نوع آخر، معركة ضد الأسعار التي ارتفعت بشكل جنوني. وكأن الأسعار قد قررت أن تتزين بحلة جديدة، حلة من الغلاء الفاحش الذي يذكرني بأفلام الرعب.

قررت أن أخرج لشراء بعض مستلزمات الإفطار. فبدلاً من أن أستمتع بتجهيز المائدة، وجدت نفسي في مواجهة مع قائمة أسعار لم أكن أستعد لها. “ما هذا؟!” تساءلت في نفسي بينما كنت أراقب الفواكه والخضروات، وكأنها تحمل أسماء مشاهير. كيلو الطماطم بسعر يساوي ثمن عشاء فاخر، وكأن البائعين يتنافسون على لقب “أعلى سعر في التاريخ”. أليست هذه الطماطم التي كانت في الماضي تُعتبر من أبسط الخضروات؟

وبينما كنت أبحث عن معجون الطماطم، تذكرت نصيحة “اصوموا تصحوا”. طيب، طوال السنة وأنا صائم عن مصاريف الترف، ولكن يبدو أن رمضان جاء ليذكرني بأنني صائم عن كل شيء، حتى عن أبسط الاحتياجات. هل من المعقول أن تكون زجاجة الزيت قد ارتفعت أسعارها بشكل يجعلني أفكر في استبدالها بالماء؟! فكرت في العودة إلى زمن الأجداد، حيث كانت الزيارات العائلية تُستقبل بالحب والكرم، وليس بالأسعار الفلكية.

وماذا عن المسؤولين؟ هل ألوم صغار التجار الذين يحاولون جني الربح في زمن قد لا يرحم أحدًا؟ أم أكبّر في رأسي كبار التجار الذين يجلسون في مكاتبهم المكيفة، يراقبون السوق مثلما يراقب الفيلسوف الشمس وهي تغرب؟ أم أن الدولة هي من وضعتنا في هذا المأزق، وكأنها تقول لنا: “عليكم بالصبر، فالصبر مفتاح الفرج!”، بينما نحن نحاول أن نجد مفتاحاً لأبواب المحلات المغلقة أمامنا بسبب الأسعار.

أذكر أنني رأيت أحدهم يتحدث في التلفاز عن ضرورة ترشيد الاستهلاك، بينما كنت أضحك في داخلي. ترشيد الاستهلاك؟! كيف يمكنني ترشيد استهلاكي في وقتٍ أحتاج فيه إلى معجون الطماطم والزيت والفواكه، وكلها تتراقص حول أسعار تتجاوز حدود المعقول؟ كأننا نعيش في حلقة من برنامج كوميدي، حيث كل شيء مُبالغ فيه.

حتى البترول، الذي كنت أظنه سيعطيني بعض الأمل، قرر أن يشارك في حفلة الغلاء. “30 ألف ريال للدبة؟!”، وكأنني أشتري تذكرة لحضور حفل موسيقي عالمي. فكيف يمكن لحرب وغلا أن ينخرا مفاصل الحياة ويجعلانا نشعر وكأننا نعيش في مسلسل درامي، حيث الفقير يزداد فقراً والموظف الذي يُعتبر “مستقراً” يُعاني في صمت؟

ومع اقتراب الإفطار، بدأت أشعر بالتوتر. هل سأستطيع أن أقدم لعائلتي ما يليق بهم، أم سأضطر للاكتفاء برغيف خبز وماء؟ وفي تلك اللحظة، تذكرت أن رمضان هو شهر التآزر والتكاتف. فربما، بدلاً من أن أتحسر على الأسعار، يمكنني التفكير في كيفية الاستفادة من ما لدي، أو حتى مشاركة ما أملك مع من يحتاجه أكثر.

وفي ختام اليوم، عدت إلى المنزل مثقلاً بالأكياس التي لم تكن ممتلئة إلا بالهموم. رمضان، الذي كان يجب أن يكون شهراً للتقرب إلى الله، أصبح شهراً لتقربنا من القلق والتوتر. لكن، لا بأس! سأصوم وأتحمل، فربما تكون هناك رحمة ما في الأفق.

وربما، بعد كل هذا، يجب أن أعدل من نظرتي للأشياء. فحتى لو كانت الأسعار قد ارتفعت، تبقى الروحانية هي الأغلى. يمكنني أن أستمر في الصوم، ولكنني سأفكر في كيفية مواجهة هذه الأوضاع، وأتمنى أن يأتي رمضان القادم ليكون أكثر هدوءاً وسكينة، فنحن بحاجة إلى بعض من الأمل في زمن الغلاء.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × واحد =