علي ناصر محمد… حكمة القائد ورهاب الخصوم!

المرصدنيوز

شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد

علي ناصر محمد… حكمة القائد ورهاب الخصوم!

منذ عقود، ظل الرئيس علي ناصر محمد رقماً صعباً في معادلة السياسة اليمنية، وظهوره في المشهد الإعلامي لا يمر مرور الكرام، بل يشعل موجة من الجدل العاصف بين أوساط النخب السياسية .

لكنه ليس جدلاً ناتجاً عن غموض في الطرح أو تذبذب في المواقف، وإنما نتيجة لثبات الرجل على قناعاته ورؤيته العميقة للأحداث، في وقتٍ أضحى فيه التلون والتقلب سمتين أساسيتين لكثير من الفاعلين السياسيين .

لقد إعتاد الرئيس ناصر أن يكون صوتاً للعقل وسط صخب الشعارات، وموقفاً ثابتاً في وجه تيارات الانفعال والمزايدات .

ومقاربته للمشهد اليمني لم تكن يوماً مبنية على العاطفة أو الاستجابة لوهج اللحظة، بل على قراءة واعية لمسارات الصراع وتعقيداته .

وبينما تتغير الخطابات بتغير المصالح، يظل الرجل مستنداً إلى نهج وطني يضع اليمن فوق الحسابات الضيقة، ما يجعله حجر عثرة أمام مشاريع الإقصاء والهيمنة .

إن عودة الرئيس ناصر إلى دائرة الضوء لا تعني فقط استعادة الحديث عن تاريخه السياسي، بل تفتح باب التساؤلات حول سبب مخاوف البعض من حضوره، ولماذا تتحول كلماته إلى مرآة تعكس فراغ المشهد وضعف البدائل المتاحة .

هل لأن صوته يعيد تذكير الجميع بأن هناك طريقاً آخر للخروج من الأزمة، طريقاً لا تفرضه الميليشيات ولا ترسمه المصالح العابرة، بل تؤطره الحكمة والرؤية الوطنية؟

فمنذ اللحظة الأولى في حديثه لقناة BBC، في برنامج بلا قيود وضع الرئيس علي ناصر محمد يده على جوهر المعضلة اليمنية، حين أشار إلى أن الموقع الاستراتيجي لليمن، المطل على المحيط الهندي وبحر العرب، وتحكمه في مضيق باب المندب، جعله على الدوام محط أنظار القوى الإقليمية والدولية، وعرضةً للمؤامرات والتدخلات الأجنبية الشنيعة .

هذه الحقيقة الجيوسياسية لم تكن مجرد تفصيل ثانوي، بل هي العامل الخفي والظاهر في آنٍ واحد، الذي أسهم في صياغة كثير من التحولات التي عصفت باليمن، وأثرت على استقراره السياسي والاقتصادي، بل وامتدت آثارها إلى حياة المواطن اليمني اليومية، حيث دفع الشعب ثمن هذه الأطماع في شكل نزاعات داخلية، وانقسامات مصطنعة، وصراعات تستنزف مقدرات البلاد لصالح أجندات خارجية .

وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن فهم الأزمة اليمنية بمعزل عن موقعه الجغرافي، الذي جعل منه بوابة إستراتيجية للتحكم في ممرات التجارة الدولية والطاقة العالمية، الأمر الذي جعله ساحة مفتوحة لصراع النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم المشاريع، على حساب اليمن العظيم وشعبه الأصيل .

إن قراءة الرئيس ناصر لهذا الواقع ليست جديدة، بل هي إمتداد لرؤية أعمق تحلل جذور الأزمة بعيداً عن السرديات السطحية، وتعيد تسليط الضوء على العوامل الكبرى التي أعاقت إستقرار اليمن لعقود .

فحين يكون الموقع نعمة تتحول إلى نقمة بسبب الأطماع الخارجية، يصبح السؤال الأهم :

متى يدرك اليمنيون أن معركتهم الحقيقية ليست مع بعضهم البعض، بل مع من يسعون لإبقائهم في دائرة الفوضى؟

بالتأكيد :
لم يكن الرئيس علي ناصر محمد مجرد ضيف في مقابلة عابرة، بل كان امتداداً لنهج ثابت ورؤية متزنة ظل يحملها لعقود .

تحدث بلغة رجل الدولة الذي يفهم تعقيدات المشهد اليمني بعيداً عن الشعارات الجوفاء والمزايدات السياسية، مؤكداً أن إستقلال القرار الوطني هو المفتاح لأي حل حقيقي، وأن إستمرار هيمنة الميليشيات المسلحة يعني بقاء اليمن في دوامة الفوضى والتشظي .

وبواقعية السياسي المتمرس، شدد الرئيس ناصر على أن الدولة لا تُبنى إلا برئيس واحد، وحكومة واحدة، وجيش وطني موحد، وهو طرح يبدو بديهياً لأي عقل سياسي راجح، لكنه وللمفارقة كان كافياً لإثارة خصوم الواقعية، أولئك الذين يقتاتون على الفوضى ويرون في وضوح الرؤية تهديداً لوجودهم .

في زمن ارتبكت فيه المواقف وتغيرت التحالفات، ظل ناصر ثابتاً في طرحه، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صخب، بل إلى قائد يعرف متى يتحدث، ومتى يترك الوقائع تنطق باسمه .

جدل بلا مبرر… خوف من الحقيقة أم عجز عن مواجهتها؟

حين يتعرض قائد سياسي للهجوم لمجرد أنه يطرح أفكاراً واقعية، فإن المشكلة ليست في أفكاره، بل في أولئك الذين يرون في العقلانية تهديداً لمصالحهم .

والمتأمل لحالة الجدل المثار حول الرئيس علي ناصر محمد يجد نفسه أمام مشهد عبثي بإمتياز، حيث يُنتقد الرجل لا لأنه أخطأ، بل لأنه تحدث بلغة الصدق وسط ضجيج المزايدات .

حقيقةً :
ما قاله الرئيس ناصر عن ضرورة وجود سلطة وطنية موحدة، ورئيس واحد، وحكومة وجيش يمثلان الدولة لا الجماعات، ليس رأياً مستحدثاً أو موقفاً وليد اللحظة، بل هو إمتداد لرؤية واقعية .

رؤية سعت دوماً إلى معالجة الأزمة اليمنية من منطلق وطني، لا كحالة طارئة تحكمها الولاءات العابرة أو المصالح المؤقتة .

وفي كل مراحل القضية اليمنية، ظل الرجل يدعو إلى حلول تستند إلى الحوار، وترتكز على مبدأ أن إستقلال القرار الوطني شرطٌ للنجاة من الفوضى، وأن دور الأشقاء يجب أن يكون داعماً لاستقرار اليمن، لا عاملاً في تعميق أزماته .

ورغم وضوح هذه الطروحات ومنطقيتها، إلا أنها واجهت ولا تزال تواجه هجوماً شرساً من أولئك الذين لا يحتملون سماع الحقيقة، لأنهم يعرفون أن مجرد طرحها يعني سقوط الأقنعة وانكشاف الزيف .

فأي منطق هذا الذي يجعل من الدعوة إلى وحدة الدولة واستقلال قرارها سبباً للخصومة؟ وأي سياسة تلك التي يخشى أصحابها من صوت الحكمة؟ الحقيقة أن هذا الجدل ليس سوى انعكاس لحالة عجز عن مواجهة الواقع، وخوف من المشروع الوطني الذي يمثله الرئيس ناصر، لأنه ببساطة، يقدم البديل الذي يرفضونه، لا لعيب فيه، بل لأنه يهدد معادلاتهم الهشة!

ورغم هذا الطرح المتزن، لا يزال البعض يعاني من “رهاب الواقعية”، وكأن مواجهة الحقيقة باتت عبئاً ثقيلاً على كاهلهم .

يحاولون جاهدين شيطنة الرجل وتشويه مواقفه، ليس لخللٍ فيها، بل لأن منطقه الصريح يكشف زيف ادعاءاتهم ويفضح هشاشة مشاريعهم .

في مشهدٍ يعكس أزمة السياسة اليمنية، تحولت الساحة إلى حلبةٍ مفتوحة لصراعات الوهم، حيث يُحتفى بالشعارات الجوفاء، بينما يُحارب فيها كل خطابٍ عقلاني يسعى لإنقاذ البلاد من مستنقع الاحتراب والتشظي .

إنها مفارقة عجيبة؛ فبدلاً من الإصغاء لصوت الحكمة، يجد الواقعيون أنفسهم في مرمى نيران دعاة الفوضى، وكأن التمسك بالعقلانية أصبح جريمة في معادلة السياسة المختلة .

لكن الحقيقة تظل واضحة كالشمس:
حين تتحدث الحكمة، يهتز عرش المتاجرين بالأوهام!
لماذا يخيفهم الرئيس ناصر؟

في المشهد السياسي اليمني، هناك شخصيات تثير الجدل، وأخرى تُحدث الضجيج، لكن قلة فقط تثير القلق الحقيقي لدى خصومها، ليس لصخبها، بل لقوة حضورها وثقل مشروعها .

والرئيس علي ناصر محمد واحد من هؤلاء القلة، لأنه يمثل إزعاجاً لقوى اعتادت احتكار المشهد، وقلب الطاولة على كل من يمتلك رؤية وطنية حقيقية .

الرجل بتاريخ قيادته وحكمته وواقعيته لا يحتاج إلى الشعارات ليبرهن على مكانته، فمجرد وجوده يعري هشاشة البدائل المطروحة، ويكشف الفراغ السياسي الذي تعاني منه بعض التيارات التي لا تملك سوى أدوات الإقصاء والتشويه .

ولهذا، فإن حملات الهجوم عليه ليست مجرد خلاف سياسي، بل محاولة يائسة لطمس المقارنة الحتمية بين رجلٍ يملك رؤية متماسكة، وبين آخرين يحركهم هاجس البقاء في الصدارة ولو على أنقاض الوطن .

إن القلق من الرئيس ناصر لا ينبع من اختلاف في الرؤى، بل من الخوف من البديل، ذلك البديل الذي لا يقوم على المغامرة والمزايدة، بل على مشروع وطني يمكن أن يكون حلاً للخروج من دوامة الفوضى .

ولو كان لدى خصومه مشروع حقيقي، لما أرعبهم مجرد لقاء تلفزيوني يعيد تذكير اليمنيين بأن هناك طريقاً آخر غير التخبط والانقسام .

لذلك، فإن مخاوفهم ليست من الرجل ذاته، بل مما يمثله من وعيٍ يهدد صروح الوهم التي شيدوها طيلة السنوات الماضية .

فبعض السياسيين يخشون الحقيقة أكثر من خوفهم من الهزيمة، لأن الحقيقة وحدها كفيلة بكشف عجزهم أمام رجل لم يحتاج يوماً إلى منصب ليبقى حاضراً في معادلة الوطن!

المصالحة المطلوبة… بين الحكمة والعبث السياسي!

في اليمن، لا يكاد يمر يوم دون حديث عن المصالحة، ومع ذلك، تظل كل المحاولات قاصرة إن لم تتناول الجذر الحقيقي للأزمة .

فالمصالحة المطلوبة اليوم ليست مجرد إتفاق سياسي بين الأطراف المتصارعة، بل تصالحٌ مع العقلانية التي يمثلها الرئيس علي ناصر محمد، في مواجهة النزعات الانفعالية التي دفعت البلاد إلى حافة الانهيار .

على طاولة المشهد اليمني، تتراكم المبادرات، وتتصاعد الدعوات للحوار، لكن كيف يمكن تحقيق سلام حقيقي بينما تُقصى الأصوات التي تملك رؤية واقعية وقابلة للتنفيذ؟ إن ما طرحه الرئيس ناصر في مقابلته الأخيرة لم يكن سوى تذكيرٍ بما يحتاجه اليمن للخروج من محنته :

دولة موحدة، قرار مستقل، ونظام يعيد للوطن توازنه.

لكنه في ذات الوقت كان صفعةً لمن اعتادوا إدارة المشهد بسياسات قصيرة النظر، لا تتجاوز حسابات اللحظة .

وإلى أن تدرك القوى السياسية أن الوقت ليس في صالحها، وأن إضاعة الفرص لم يعد ترفاً، سيبقى ظهور الرئيس ناصر كابوساً سياسياً للبعض،
ورمزًا للعقلانية التي يفتقدها المشهد اليمني!

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − اثنا عشر =