المرصدنيوز/بقلم: المستشار عبدالغني اليوسفي
في جنوب ووسط الجزيرة العربية، حيث تتقاطع الدروب التجارية التاريخية مع شموخ المرتفعات، صاغ اليمانيون القدامى واحدة من أعقد وأبهى تجارب “بناء الدولة” في العالم القديم. ولم تكن تلك التجربة مجرد تتابع لملوك أو سرد لمعارك، بل كانت مخاضاً سياسياً عسيراً أفضى إلى “وحدة اندماجية” غيرت وجه التاريخ. ويقف كتاب المؤرخ الراحل الأستاذ الدكتور محمد عبد القادر بافقيه “توحيد اليمن القديم: الصراع بين سبأ وحمير وحضرموت” كحجر زاوية في المكتبة التاريخية المعاصرة (٥)؛ ليس فقط لكونه دراسة استقصائية لمرحلة مفصلية، بل لكونه محاولة جادة لإعادة صياغة الرواية الوطنية بناءً على الوقائع الأثرية والنقشية الصرفة، بعيداً عن غبار الروايات الإخبارية المتأخرة.
فلسفة الوحدة: من “دول المدن” إلى الإمبراطورية المركزية
تنطلق رؤية الدكتور بافقيه من قناعة راسخة بأن الوحدة اليمنية لم تكن حدثاً عارضاً أو نتاج نزوة لملك طموح، بل كانت “ضرورة بنيوية” فرضتها الجغرافيا وتحديات البقاء الاقتصادي (١). ففي مطلع القرن الأول الميلادي، كانت الخارطة السياسية تتسم بالتعددية القطبية بين ممالك (سبأ، وحمير، وحضرموت، وقتبان). ويحلل بافقيه هذا المشهد بوصفه حالة من “التناقض الداخلي”؛ حيث كانت الثقافة واللغة والدين توحد هذه الكيانات، بينما تمزقها المصالح السياسية الضيقة (٧).
إن الوحدة الاندماجية، كما يحللها بافقيه، هي المرحلة التي تجاوزت فيها الدولة مجرد “الأحلاف” العسكرية الهشة لتصل إلى صهر المؤسسات الإدارية والمالية تحت سلطة واحدة. ويمثل الانتقال من لقب “مكرب” إلى لقب “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت” التجسيد القانوني والسياسي لهذه الفلسفة، حيث ارتبطت الشرعية الجديدة بالقدرة على حماية التجارة الدولية وتأمين الحدود الشاسعة لليمن الكبير (٩).
صراع العروش: التوازن والبيضة المرجحة
يشكل الصراع الثلاثي (سبأ، حمير، حضرموت) المحور الدرامي في دراسة بافقيه. فقد كانت مأرب (عاصمة سبأ) تمثل المركزية التقليدية التي واجهت صعود “حمير” (بني ريدان) في المرتفعات (١٣). ويرى بافقيه أن صعود حمير كان يمثل “ثورة المرتفعات على الوديان”، حيث استغل الحميريون تراجع طرق التجارة البرية لصالح الموانئ البحرية، مما منحهم التفوق المالي لتمويل حروب الوحدة (٨).
وفي هذا السياق، تبرز مملكة حضرموت كـ “المناور الذكي” والطرف الثالث الذي كان يرجح كفة الصراع (١١). ويشير بافقيه إلى أن تدخل الملك الحضرمي “يدع إل بين” وتحالفاته المعقدة مع الأحباش كانت تمثل قمة التعقيد السياسي الذي استلزم رداً حميرياً حاسماً لإنهاء حالة التشرذم (١٨).
الأقيال والأعراب: المحركات الاجتماعية للوحدة
لا يمكن فهم التاريخ السياسي لليمن دون الغوص في البنية القبلية، وتحديداً دور “الأقيال” الذين مثلوا طبقة أرستقراطية إقطاعية أدارت المخاليف (٣). يوضح بافقيه أن عملية التوحيد كانت في جوهرها عملية “تجميع للبيوتات”؛ فالملك القوي هو الذي استطاع إرغام أو إقناع الأقيال بالانضواء تحت مظلة “البيت الملكي” الكبير.
كما يقدم بافقيه إسهاماً فريداً في تتبع دور “الأعراب” (البدو)، محللاً مراحل اندماجهم من “التسلل” إلى “الاستقطاب العسكري” ثم “الاندماج الكامل” في جسد الدولة (١٢). لقد تحول الأعراب، خاصة قبائل كندة ومذحج، في عهد الدولة الحميرية الموحدة إلى “يد الدولة الطولى” وبوصلة نفوذها في نجد والحجاز (١٦).
عصر شمر يهرعش: إعلان السيادة الكاملة
يمثل عهد الملك “شمر يهرعش” (حوالي ٢٩٠م – ٣٠٠م) قمة التطور السياسي. فلم يكن شمر مجرد فاتح، بل كان “مصلحاً إدارياً” بامتياز (١٧). وبإسقاطه لشبوة، أحكم السيطرة على سلسلة إنتاج البخور واللبان، وأعلن ميلاد “الدولة المركزية” عبر إجراءات هيكلية شملت:
توحيد التقويم: اعتماد التقويم الحميري (١١٥ ق.م) كمرجع وطني واحد (١٠).
اللقب الرباعي: إعلان “يمنت” كجزء من السيادة، ليشمل السواحل الجنوبية والشرقية (٢١).
توطين القبائل: خلق توازن ديموغرافي يحمي الثغور والحدود.
الخاتمة: دروس من رحم التاريخ
إن “المخاض السياسي” الذي درسه بافقيه بعمق وموضوعية يظل قصة ملهمة عن قدرة الإنسان اليمني على اجتياز الأزمات وبناء كيانات سياسية عظمى. وتتلخص الدروس المستفادة في أن الوحدة هي “القدر الجغرافي” الطبيعي لليمن، وأن السيادة الوطنية لا تتحقق إلا بإنهاء التدخلات الخارجية (مثل النفوذ الحبشي والرومي) من خلال جبهة داخلية موحدة (٤)(١٨).
لقد أثبت بافقيه، من خلال استنطاق النقوش المسندية، أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ مضى، بل هو “خارطة طريق” لفهم عبقرية المكان والإنسان في جنوب الجزيرة العربية، مؤكداً أن الاستقرار مرهون دائماً بقوة المؤسسات المركزية وقدرتها على استيعاب المكونات الاجتماعية كافة في مشروع وطني جامع.
المصادر والمراجع:
(١) د. منير عربش، حوار حول رؤية بافقيه التاريخية، موقع النداء.
(٢) ملف “سندباد حضرمي”، صحيفة النداء.
(٣) دراسات في البنية الاجتماعية والسياسية لليمن القديم، جامعة برشلونة (Korotayev).
(٤) برنامج “الراوي”، تاريخ الأحباش في اليمن، يوتيوب.
(٥) د. محمد عبدالقادر بافقيه، كتاب “تـوحيد اليمن القديم”، مكتبة عين الجامعة.
(٦) صحيفة الوطن اليوم، دراسات تاريخية.
(٧) معهد الصادقين، دراسات سبأ وحمير.
(٨) مجلة ASJP، نشأة الدولة الحميرية وتحديات الحكم.
(٩) شبكة المرجع، الأوضاع السياسية وتوحيد حمير لليمن.
(١٠) أرشيف الكتب التاريخية، دراسات في النقوش اليمنية.
(١١) المركز الوطني للمعلومات، محافظة شبوة التاريخية.
(١٢) د. زيد محمد أحم، الأعراب في اليمن القديم، جامعة ذمار.
(١٣) موسوعة ويكيبيديا، مادة “حمير”.
(١٤) المصطلح والدلالة في العربية الجنوبية، موقع المتدبر.
(١٥) أكاديميا أرابيا، قضايا فكرية وتاريخية من اليمن.
(١٦) موسوعة ويكيبيديا، تاريخ اليمن القديم.
(١٧) وثائقي “شمر يهرعش”، قناة ملوك اليمن، يوتيوب.
(١٨) مؤسسة تاريخ اليمن، الأحباش في تاريخ اليمن القديم.
(١٩) جامعة كامبريدج، دراسات في التاريخ اليمني.
(٢٠) موسوعة بريل (Brill)، مادة “سبأ”.
(٢١) مكتبة محمد بن راشد، تفاصيل كتاب توحيد اليمن القديم.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد