محمد صالح حاتم
في ظل التحديات التي تواجهها الأمة، تبرز الحاجة إلى إعلام واعي ومسؤول يؤدي رسالته الحقيقية في بناء الإنسان وتعزيز وعيه، بعيداً عن الثرثرة التي تستهلك الوقت والجهد دون أثر ملموس. وقد أشار السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي إلى أن مساحات واسعة من بعض وسائل الإعلام لا تزال تذهب في أحاديث ومضامين لا ترتقي إلى مستوى المسؤولية، في وقت تحتاج فيه المجتمعات إلى إعلام يصنع الوعي ويواكب معاركها وتحدياتها المختلفة.
فوظيفة الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية لا تقتصر على نقل الأخبار والأحداث، بل تمتد إلى توعية المجتمع بما يحاك ضده من مخططات تستهدف هويته وقيمه وثقافته، وكشف أساليب الحرب الناعمة التي تسعى إلى إضعاف الوعي وتشويه المفاهيم ونشر السلوكيات الدخيلة على المجتمع. كما يقع على عاتق وسائل الإعلام دور أساسي في ترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية، وتعزيز روح المسؤولية والعمل والإنتاج، وإبراز النماذج الإيجابية والمبادرات الناجحة التي تسهم في بناء المجتمع وتماسكه.
وفي الجانب الاقتصادي والتنموي، لا ينبغي النظر إلى الزراعة والصناعة والاستثمار والإنتاج المحلي باعتبارها مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل هي قضية وطنية عامة. فالوعي الزراعي والإرشادي ليس مسؤولية وزارة الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية وحدها، ودعم الصناعة والاستثمار والمنتج المحلي ليس مسؤولية وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة تقع في مقدمة أدوارها على وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، لما تمتلكه من قدرة على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع والتأثير في توجهاته وسلوكياته.
ومن هنا فإن تخصيص المساحات الإعلامية للقضايا الزراعية والاقتصادية والتنموية ليس تفضلاً من وسائل الإعلام أو عملاً اختيارياً، بل واجب مهني ووطني. فكما حظيت الجبهة العسكرية خلال السنوات الماضية باهتمام إعلامي واسع، وأسهمت القنوات والإذاعات والصحف في خلق وعي مجتمعي بأهميتها، وواكبت أحداثها وتضحياتها،ونقلت البطولات التي جسدها المجاهدين في مختلف الجبهات، وساهمت في حشد المجاهدين وتعزيز الصمود ودعم القوافل والجبهات بالرجال والمال والسلاح ، فإن الجبهة الزراعية والاقتصادية والتنموية اليوم بحاجة إلى الجهد الإعلامي نفسه، لأنها تمثل معركة لا تقل أهمية في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الصمود الوطني.
فإذا استطاع الإعلام أن يجعل من الجبهة العسكرية قضية حاضرة في وجدان المجتمع واهتمامه، فإنه قادر أيضاً على أن يجعل الزراعة والإنتاج والاستثمار ودعم المنتج المحلي قضايا يومية تحظى بالاهتمام نفسه. والمطلوب اليوم أن تتسابق وسائل الإعلام إلى إبراز قصص النجاح الزراعية والإنتاجية، والتعريف بالفرص الاستثمارية، ونشر الثقافة الإنتاجية، وتشجيع المجتمع على العمل والبناء واستثمار الموارد المتاحة، تماماً كما تسابقت في تغطية الجبهات العسكرية ومواكبة إنجازاتها.
كما أن للإعلام دوراً محورياً في تعزيز ثقافة المقاطعة الاقتصادية للمنتجات والشركات المعادية، والتوعية بأهمية توجيه القوة الشرائية نحو المنتجات الوطنية، بما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وخفض فاتورة الاستيراد، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الخارج. فالتنمية تبدأ بفكرة، والفكرة تتحول إلى سلوك عندما تجد إعلاماً يؤمن بها ويعمل على ترسيخها في وعي المجتمع.
ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى سياسات إعلامية واضحة تجعل قضايا التنمية والاقتصاد والإنتاج والهوية الثقافية ضمن أولويات العمل الإعلامي، وتوجه المحتوى نحو ما ينفع المجتمع ويخدم مصالحه العليا، بدلاً من الانشغال بالقضايا الهامشية أو البرامج التي لا تضيف وعياً أو معرفة.
إن وسائل الإعلام مطالبة اليوم بأن تكون شريكاً في صناعة التنمية لا مجرد ناقل لأخبارها، وأن تسهم في خلق الوعي التنموي كما أسهمت في خلق الوعي بأهمية الصمود في مختلف المراحل. فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعمل على تغييره نحو الأفضل، ويحشد الطاقات والإمكانات لخدمة أهداف المجتمع وتطلعاته.
فالإعلام سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يكون أداة للبناء والتنمية والتنوير وصناعة المستقبل، كما يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتبديد الطاقات وإشغال الناس بما لا يفيد.
فالإعلام الحقيقي ليس ما يملأ ساعات البث، وإنما ما يملأ العقول وعيا، والقلوب قيما، وما يسهم به في بناء مجتمع منتج وقادر على مواجهة التحديات وصناعة مستقبله..
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد