المرصدنيوز بقلم: د. بكيل محمد الكليبي.
أن فلسفة المصير الجمعي يمثل ركيزة أساسية في الشعوب والأمم الحية، على عكس النظرة المصيرية، أو فلسفة الا مصير، أو بعبارة أخرى من المعنى الجمعي، إلى اللامعنى، أو من الجمع القوي إلى الوحدة والضعف، فالإنسان بطبيعته كائن وجودي، جاء من العدم، وتكيف مع الطبيعة وتكاثر وشكل بيئته الاجتماعية الجامعة التي تحدد مصيره ضمن المجموع، ويحين يقرر أن ينفصل الفرد عن الأخر المجموع، فأن الاسقاط الفلسفي عليه يقود بوضوح إلى اللامصير، وذلك الاسقاط لا يعني الموت، بل يعني الحياة بدون ملامح وافق واضحة تلبي الطموح وتعالج النزعة الانفصالية، التي خرجت عن المصير المشترك الذي يمثل الاجابة المثلى للسؤال العبثي إن لم يكن لي معنى بمفردي، فليكن لي معنى مع الجمع.
وفي رحم هذا الفلسفة نعرف المفارقة الكبرى، التي نعيشها اليوم كأمة عربية وإسلامية، فالمصير المشترك الذي نحن في أمس الحاجة إليه لمواجهة التحدي المشترك الذي تواجهه الأمة العربية الإسلامية، لا يلغي وجود الدول العربية والإسلامية منفردة، بل يحميها من التيه، وتفرد القوى الكبرى بها، وتحولها إلى مجرد تابع ومطيع لا تستطيع الانفكاك او الخروج من تلك التبعية، وأي إدعاء لدولة عربية أو إسلامية أنها كاملة بذاتها بعيداً عن الكل المشترك سرعان ما تجد نفسها أمام معضلة الانكشاف عندما تواجه التحدي بمفردها، وهنا تشعر بمدى فشل رؤيتها القاصرة التي جعلتها منفردة بعيداً عن الجمع الذي من شأنه أن يشكل حائط صد أساسي لها عند أول منعطف، وابلغ الأمثلة على ذلك حالة إيران تجاه العدوان الأمريكي الإسرائيلي، والدول العربية تجاه العربدة الإسرائيلية.
أن فلسفة اللامصير تعني بلاشك فلسفة التشرذم والتشظي، أو العدم، وهذه الفلسفة تقوم على ثلاث ركائز وجودية هي:
أولاً: البنية أو الركن: وهذه الجزئية تمثل التفكك والاستمتاع باللحظة والتفرد وتقديس التفرقة وتعميقها.
ثانياً: مميزات المشروع أو التجلي: كل جماعة تنظر إلى نفسها أنها دولة، وكل دولة تعتبر نفسها أمة والعيش بلا مشروع حقيقي بلا غد مأمول، بل يتحول الاختلاف بين الدول إلى عداء، والتنوع إلى تناقض.
ثالثاً: النتيجة: تحويل الدولة إلى صورة بدون هوية، والزمن يصبح عبئاً لا معنى له، دعم حالة الموت البطي للكيان الجمعي.
إذن أن اللامصير لا تعني غياب افق المستقبل، بل هو حاضر ومستمر لكنه يلتهم الماضي والمستقبل معاً أي أن الدولة بمفردها تعيش كوطن يسوده الضعف، والسبب رفض المصير الجمعي المشترك والابتعاد عن الشراكة الوجودية مع الآخر، التي تمنح الدولة الضعيفة التكامل والتأزح وبالتالي البناء كأمة.
أما فلسفة المصير المشترك أو فلسفة العقد الجمعي الوجودي، فهي لا تعني رفع شعار سياسي بل ميثاق جمعي وجودي يعبر عن ابناء الأمة العربية والإسلامية يقوم على إدراك ثلاث حقائق فلسفية هي:
أولاً: حقيقة التلازم أو المصير الواحد: وهذا يعني بطبيعة الحال عقد مصيري مربوط بمصير جميع الدول العربية والإسلامية، حتى لو أنكرت جميع البلدان ذلك، فجوع هذه الدول وفقره ينتج بيئة من اللصوص، وجهلها وضعف التعليم يخلق بيئة من المتطرفين، وضعف الصحة يولد المرض وينشر الوباء، وبالتالي لا نجاة للدول منفردة لأنها تعبر عن حالة مرضية غير سليمة.
ثانياً: حقيقة التكامل والتعاضد: لا يمكن تلبية الاحتياجات والطموحات للدول العربية والإسلامية إلا بتكاملها مع بعضها البعض لأن الأنا لا تكتمل إلا بالآخر، فالقوة بلا تكتل حقيقي هي أشارت ضعف، والحكمة في سياسة الدول منفردة عجز، وتكدس الأموال في الدول العربية والإسلامية بعيداً عن الأخذ بيد الدول الفقيرة ليس غنى بل تعيش حالة من الترف، والدول الفقيرة لامعنى لوجودها بدون تكامل مع الدول العربية والإسلامية الغنية وإلا معنى لها.
ثالثاً: حقيقة الزمن: الأمم لا تُبنى في لحظة الاستقرار، بل في عيش التحدي واستمرارية الإرادة، نحو نزعة المصير المشترك الذي يعبر عن طموحات الأمة ويصون حقوقها ويحفظ مصيرها واستقلالها فالإرادة في هذه الحالة تعبر عن الهم المشترك الذي يضمن حمل بعضنا البعض نحو الغد، حتى وإن تعثرنا اليوم، لكننا بالإصرار سننجح غداً.
وهنا يتحول الوطن من جغرافيا محددة إلى فضاء واسع يعبر عن طموح أمة ويحمي فكرها ويصون حقوقها من حدود على الخريطة إلى عهد عملي على الواقع لا مجرد تأنيب الضمير عندما تنتهك حرمات المسلمين في فلسطين.
رابعاً: الجدل بين أنا وأنت إلى نحن:
أن فلسفة المصير المشترك تحل إشكالية الآخر الذي طالما أرقت الفلاسفة، فهي لا تقول: ذاب في الكل، ولا تقول: بإلغاء الكل لأجلك بل تقول: كن أنت بكاملك، لأجل أن نكون نحن بكمالنا معاً، كما الماء، إذ لا يمكنه أن يصبح بحراً إلا بتراكم قطراته، والقطرة لا تصبح بحراً إلا بتجمع القطرات لتكون ماء، فالوحدة بطبيعتها ليست إلغاء، بل هي تآلف متعدد، والتعدد ليس تفكيكاً، بل هو جوهر ثراء الوحدة التي تلبي طموح الكل وتحمي حقوقه.
والخلاصة: أن الخيار الوجودي الأخير في نهاية المطاف، كل دولة تقف أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما: أولاً: طريق اللامصير: الذي ينتصر فيه الجزء على الكل، فلا يبقى لا الجزء ولا الكل. وهنا يصبح السؤال: من نحن؟ سؤالاً بلا جواب، وثانيهما: طريق المصير المشترك: الذي يجعل الدول تدرك أن الجميع مهدد وأن الوحدة من أجل النجاة ليست في هزيمة الآخر، بل في هزيمة فكرة أن الآخر عدو، وبالتالي أن فلسفة المصير المشترك هي فلسفة العقلاء في زمن المجانين، وهي الإقرار بأننا إن لم نكتب مصيرنا معاً بالقلم، سيكتبه الآخرون لنا بالسيف، وإن لم نصنع أخوتنا بإرادتنا، سيفرض علينا عداؤنا قهراً.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد