إلى أين تتجه الأحداث في منطقة الشرق الأوسط في ظل الحديث عن مفاوضات:

المرصدنيوز/بقلم:
د. بكيل محمد الكليبي.

يساورني مثل غيري من النخب الاكاديمية الجامعية القلق من ضبابية المشهد السياسي داخل منطقة الشرق الأوسط بعد الهدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وإيران، والدخول في مرتون غير معهود من المفاوضات والتجاذبات السياسية، وتعدد المقترحات والبنود والرسائل بين تلك الاطراف، بصورة تشعرك كباحث ومراقب لطبيعة الأحداث، أن الأمور غير مبشرة بخير، وأن ما عرف بالهدنة ليس إلا استراحة محارب تسعى من خلالها الأطراف المتصارعة لأخذ نفس وتعد العدة للدخول في حرب جديدة، وإلا ماذا يعني أن توضع جميع الاطراف مقترحاتها التفاوضية ويتم دراستها وتنقيحها للخروج بصيغتها النهائية، التي من المفترض ان تكون مسودة للاتفاق، الذي يترقبه العالم أجمع، ثم يتحول الترقب إلى أمل لحلول السلام في المنطقة، وان هناك فرصة لتوقيع اتفاق بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. وأمام تلك المشاعر المترقبة سرعان ما يتبدد الأمل بعودة جميع الاطراف للمربع الأول.
أن المتابع لطبيعة الحرب والأخذ والرد المتبادل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، يجد أن الهدنة وطبيعة المفاوضات، والتوجهات تسير عكس آمال السلام، بل أننا أقرب إلى الحرب، بصورة أكبر بكثير من أي وقت مضى، لوجود تعارض كبير بين مصالح السلام، والحرب، فالدخول في سلام مع هذه النتائج التي تمخضت عن الحرب بشكلها الحالي، تشكل صفعه سياسية مدوية لخطط إسرائيل المسبقة للحرب على إيران، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، التي يخدمها ايقاف الحرب لتهدئة أوساق النفط من جهة، وحاجتها السياسية الملحة للهدوء خلال مجريات كأس العالم الذي تشارك أمريكا في جزء من فعاليته، فضلاً عن حاجة الرئيس الأمريكي للهدوء وكسب صوت الناخب في انتخابات التجديد النصفية للكونجرس الأمريكي، وتضارب الرغبات بين الحليفين تأثر على مجريات السلام والمفاوضات، لاسيما أن السلام مع إيران على وقائع النتائج الأخيرة للحرب تمثل هزيمة مدوية لإسرائيل التي دخلت وبجانبها الولايات المتحدة الأمريكية، الحرب بسقف مرتفع محوره اسقاط النظام الإيراني واستبداله بنظام سياسي جديد متعاون معهما، ليس هذا وحسب، أن صانع القرار العسكري الإسرائيلي وضع خطط عملية لتحقيق ذلك الغرض، فإن لم ينجح في تغيير النظام السياسي الإيراني من خلال الضربات الجوية والعملاء والجواسيس على الأرض، فهناك الخطة ب البديلة التي جرى اعدادها باستخدام فصائل إيرانية مسلحة لتحمل على عاتقها بمساعدة أمريكا وإسرائيل مهمة الحرب البرية والوصول إلى تحقيق هدف اسقاط النظام، وكانت النتيجة تحقيق صفر من الخطط ففشلت المهمة وبقى النظام الإيران في وضع أكثر شراسة واندفاع مما كان عليه الحال في السابق.
وبالرغم من الحديث المتواصل للقيادة الإسرائيلية والأمريكية أن حربهم على إيران ستقود إلى أحداث تغيير جوهري في خريطة المنطقة، لكن المتغير الوحيد الذي طراء في الحرب هو صمود إيران، واعتمادها تكتيك قتالي فاجئ الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بدءً بالرد على الضربات، وتوسيعها لتشمل جميع المصالح والقواعد الأمريكية في المنطقة، واستهداف منشأة الطاقة في دول الخليج العربي، وانتهاءان بجراءة إيران لإغلاق مضيق هرمز النقطة الحساسة التي غيرت مصير الحرب، وجميع الاستراتيجيات والخطط العسكرية المعدة مسبقاً، ورفعت كلفة الحرب، والحقيقة المرة بالنسبة لإسرائيل أن أي اتفاق سلام بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وفق النتائج والمعطيات السابقة يعد انتصاراً ساحقاً لإيران لصمودها وتكتيكها الجديد في الحرب.
أن محددات الانتصار الإيراني ليس كما يعتقد بعض المتعصبين معها أنه جاء نتيجة تفوق قدراتها العسكرية، وسحقها القوات الجوية والبحرية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بل العكس تماماً فإيران تعرضت لضربة عسكرية ساحقة جعلتها ترجع للوراء عشرين عاماً، والسؤال الجوهري إذن كيف انتصرت إيران في الحرب الأخيرة على المعتدين عليها إذن؟ أن معايير الانتصار هنا لا يدخل ضمنها معايير التفوق في الأسلحة فهذا المعطى يرجح كفة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لكن مفهوم الانتصار أخذ في طبيعته نقاط وملامح أخرى، بعيده كل البعد عن معايير الجانب العسكري، والتفوق والعملياتي في ميدان المعركة، بل أخذ مفهوم أكثر أهمية من تفوق السلاح، فكان على النحو الاتي:
أولاً: الصمود والوحدة: منح إيران تفوق سياسي أربك خطط الجانب الأمريكي والإسرائيلي في تنفيذ خطة تغيير النظام السياسي في البلاد، نتيجة التفاف الشعب الإيراني حول قيادته فأفشل التحدي، لاسيما أن ذلك تزامن مع وجود مؤسسات دستورية راسخة نظمت دون فوضى عملية انتقال السلطة خلال الحرب بعد استهداف المرشد الإيراني الأعلى وهذا احرم أمريكا وإسرائيل من التغني بالنصر مبكراً
ثانياً: امتلاك النظام الإيراني الجراءة: مثل الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بصورة جريئة أكثر من أي وقت مضى، إذ شمل الرد استهداف أصول العتاد العسكري الأمريكي في البحر والبر بما في ذلك ضرب البنى التحتية للقواعد العسكرية الأمريكية من لادارات وغيرها في الخليج العربي وشكل هذا الرد حالة من الارتباك لدى صانع القرار الأمريكي وجعله يتريث في تنفيذ خططه العسكرية ويضع لها الحسابات الدقيقة بعيدا عن التورط نحو خيارات أخرى.
ثالثاً: استغلال الإيرانيين لعامل الجغرافيا: مثل اغلاق الإيرانيين لمضيق هرمز ضربة مدوية لمسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي استغلت هذا المعطى لصالحها في رفع كلفة الحرب وزيادة الضغط على الجانب الأمريكي، وجعل أي تهور جديد منها ضد إيران سيدفع كلفته الجميع دون استثناء، لما لذلك من تأثير على تجارة النفط على مستوى العالم.
أن معطيات النصر غير المباشرة التي حققتها إيران على الرغم من التدمير الكبير والممنهج الذي تعرضت له جعلتها تقطف ثمار الحرب مبكراً لصالحها، وأفشلت معها المشاريع المعدة مسبقاً لإيران والمنطقة، فضلاً عن أن الحرب زادت من قوة الموقف الإيراني، ومنحت توجهاته السياسية، ونظرته الأمنية للإقليم فرصة جديدة للتبلور بعيداً عن طبيعة النظرة الأمريكية التي سادت الاقليم من قبل، فالاتفاق مع إيران في ظل هذه النتائج والمعطيات تعني أمراً واحد هو الاعتراف بإيران قوة إقليمية، وهذا الأمر يفسر سبب المراوغة الأمريكية في عقد اتفاق مع إيران ومراوحة المفاوضات مكانه في انتظار فرصة جديدة تمنح امريكا مزايا أفضل وشروط أحسن من تلك التي ستمليها إيران المنتصرة، ورغم ذلك لايزال الحكم مبكراً على الحالة بشكل عام، في ظل وجود نزعة هجومية للحكومة الإسرائيلية التي يبدوا أن لها ضلع كبير في تخريب أي اتفاق بين أمريكيا وإيران، لأن أي اتفاق في ظل نتائج الحرب الحالية، يعني بالنسبة لإسرائيل استمرار التهديد الوجودي لها، والسؤال الملح اليوم إلى أين ستتجه الأمور والأحداث نحن أمام قطار السلام الذي يتهيأ ليعم المنطقة، أم أننا في انتظار المحطة القادمة لحرب اقليمية شاملة لتنفيذ خطة اعادة رسم خريطة الاقليم برمته تكون أكثر مأساوية من سابقتها سايكس بيكو، وإن غداً لناظره قريب.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 5 =