الحياة الأدبية في عهد السلاجقة والمماليك والعثمانيين: رداُ على مقولة الانحطاط:

 المرصدنيوز/بقلم:
د. بكيل محمد الكليبي.

من الصدف الجميلة بل والنادرة أن يمنحك إنسان فرصة لتكون محاضرًا في قسم اللغة العربية بكلية التربية. وهنا أعبر عن تقديري وامتناني للدكتور أحمد جابر رئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية، الذي منحني فرصة إلقاء محاضرة تاريخية تمهيدًا لمقرر “الأدب الوسيط” للمستوى “الث لغة عربية”، حيث أعطيت الطلاب لمحة تاريخية شاملة عن التطور السياسي، والاجتماعي، والعلمي، الذي شهدته الدولة العربية الإسلامية منذ عام 1037م، وهي الفترة التاريخية التي شهدت قيام الدولة السلجوقية في خراسان، بعد هزيمة الدولة الغزنوية في معركة “دنق دنق” التي قادت إلى سيطرة السلاجقة وظهور سطوتهم على الخلافة العباسية، بعد أن نجحوا في القضاء على النفوذ الفاطمي الذي تغلغل في بغداد. وظل السلاجقة متسلطين على الخلافة العباسية حتى سقوط بغداد على يد المغول عام 656هـ الموافق 1258م، وكان لهذا السقوط أثره الكبير في التأثير على مجمل الحياة العلمية والأدبية في البلاد العربية، لما ترتب على ذلك تغيير جذري شهدته الدولة العربية الإسلامية.
شكل سقوط الدولة الأيوبية بداية سيطرة العناصر المملوكية “العبيد البيض” على مقاليد الحكم في مصر عام 1250م. ولم تمر فترة طويلة على قيام دولة المماليك حتى بدأ أمامها تحدٍ وجودي كبير، تمثل بسقوط بغداد، واجتياح المغول لبلاد الشام. ونظرًا لتمتع المماليك بالفروسية والشراسة التي كانت السبب في جلبهم إلى مصر من قبل، كان ذلك العامل حاسمًا في حسم الصراع وإيقاف عجلة التقدم المغولي على مصر، بعد أن قاد السلطان المملوكي “المظفر قطز” حملة عسكرية عام 1260م، نجح من خلالها المماليك في إيقاف عجلة التقدم المغولي في معركة تاريخية حاسمة “عين جالوت” التي مثلت ملحمة تاريخية قادت إلى منح المماليك في مصر السيادة على العالم الإسلامي، بعد أن انتقل مركز الخلافة من بغداد إلى القاهرة. واستمر حكم المماليك حتى سقوطهم على يد السلطان العثماني سليم الأول في معركة “مرج دابق” في شهر أغسطس عام 1516م، ونجح العثمانيون في السيطرة على بلاد الشام بعد القضاء على السلطان المملوكي “قانصوه الغوري”. ثم توجه الجيش العثماني نحو مصر لاستكمال السيطرة على الدولة المملوكية، وتمكنوا من دخول القاهرة بعد معركة فاصلة “الريدانية” في شهر يناير عام 1517م، وترتب على هذا الانتصار العثماني إعلان الحجاز واليمن الولاء للدولة العثمانية.
والسؤال الجوهري أمام هذه السيطرة الكبيرة للعنصر التركي على الدولة الإسلامية: هل فعلًا أن الحياة العلمية والأدبية شهدت انحطاطًا كبيرًا خلال هذه الفترة التاريخية المهمة في الحضارة الإسلامية؟
ورغم الملاحظة على مصطلح “انحطاط” نجد أن الإنتاج الفكري والعلمي والأدبي والاجتماعي في عهد السلاجقة والمماليك والعثمانيين تفاوت في تلك الفترة، لاسيما أن هذه الدول شكلت العمود الفقري للحضارة الإسلامية بعد سقوط بغداد 1258م. فمن الطبيعي أن يكون لكل دولة بصمتها في مجال تطور العلم والأدب، لكن الشيء الجامع أو العامل المشترك بينها هو رعاية هذه الدول للعلم والعلماء كسياسة تبنتها الدولة، فكانت بصمات تلك الدول على النحو الآتي:
أولًا: الدولة السلجوقية 1037-1194م:
لعبت الدولة السلجوقية دورًا بارزًا في الاهتمام بالحياة العلمية، إذ شهد عصرها تأسيس المدارس النظامية التي ترعاها الدولة. إذ إن السلاجقة أول من حوّل العلم إلى مؤسسة دولة، وكان ذلك سببًا في التطور العلمي والفكري في الدولة. وكان للوزير السلجوقي “نظام الملك” دور في تطور الحياة العلمية، فكان أول من أسس جامعة نظامية في الإسلام “المدرسة النظامية ببغداد” سنة 1065م. ثم انتشرت نحو 30 مدرسة نظامية في العديد من المدن، منها: مدينة “نيسابور” ومدينة “الموصل” وغيرها من المدن الأخرى في الدولة، واهتمت تلك المدارس بتدريس علوم القرآن، وعلوم الفقه، والحديث، والمنطق، والرياضيات، والفلك، والأدب، واللغة العربية، وبرز في هذا الجانب العديد من العلماء في مختلف العلوم.

أما على المستوى الاجتماعي، فاهتمت الدولة السلجوقية بإعادة هيبة الخلافة العباسية، ودعم المجتمع، فتوسع النشاط التجاري، وانتشر العلماء في مختلف الأصقاع. وتمثلت بصمتهم في إعادة بعث الحياة في اللغة الفارسية التي استخدمت كلغة رسمية في الإدارة والأدب وغيرها، كما عملوا على نقل مركز الثقل العلمي والفكري والأدبي من العرب إلى الترك والفرس. وكان من شأن هذا التحول أن يضعف تطور الحياة الأدبية العربية لصالح الأدب الفارسي والتركي، لكن الشيء المهم أن السلاجقة عملوا على تأسيس فكرة “الوقف على العلم”، وأصبحت الوقفيات بصورة عامة تشكل من أهم المؤسسات التي تقوم بخدمة المجتمع، وبناء المدارس الوقفية، فازدهرت الحياة العلمية بصورة كبيرة.
ثانيًا: دولة المماليك 1250م – 1517م:
ساهمت الظروف السياسية التي عاشتها المنطقة العربية بعد الغزو المغولي في انتقال الثقل العلمي والأدبي والفكري من بغداد بعد سقوطها، إلى القاهرة لتكون الحاضرة العربية والإسلامية التي تطورت فيها العلوم، نظرًا لتوفر عوامل الأمن والاستقرار، بعد انتقال ثقل الحضارة الإسلامية من بغداد التي هدمها الغزو المغولي عام 656هـ الموافق 1258م، وانتقال آخر الخلفاء العباسيين إلى مصر، لاسيما بعد أن حمل المماليك في مصر على عاتقهم إيقاف زحف المغول على مصر في معركة تاريخية فاصلة سبق الإشارة إليها.
عمل المماليك على جعل القاهرة بمثابة بغداد جديدة، بدلًا عن تلك المدمرة، لاسيما بعد أن هرب إليها كل علماء المشرق أمثال: “ابن تيمية، ابن قيم الجوزية، المقريزي، ابن حجر العسقلاني، السيوطي”. وقاد ذلك إلى إحداث نقلة علمية وأدبية نوعية في القاهرة، التي أصبحت على موعد مع ازدهار الكثير من العلوم. أما تطور علوم اللغة العربية والأدب، فإن العصر المملوكي ليس عصر “انحطاط” كما تم تصويره، بل العصر الذهبي للمقامات، والتراجم، والتاريخ، فظهر القلقشندي “صبح الأعشى”، والمقريزي “الخطط”، وعلوم اللغة العربية التي بلغت ذروة الفصاحة والتدوين.

أما على الصعيد الاجتماعي، فإن للمماليك الكثير من الإسهامات التي خدموا من خلالها المجتمع، بالتوسع في بناء المدارس، من خلال تشييد الأزهر، ومدرسة السلطان حسن، ومساجد القاهرة الفاطمية والمملوكية. كما عملوا على تطوير نظام الأوقاف الكبير، وجعلوا منه أهم مؤسسة تقدم خدمات اجتماعية للمجتمع من خلال بناء المدارس الوقفية، وبناء المستشفيات المجانية، وتكافل الفقراء. على الرغم من أن المجتمع كان يعيش تقسيمًا طبقيًا لكنه متحرك وغير جامد، فالعبد المملوك يمكن أن يصبح سلطانًا للدولة، ويمكن لابن الفقير أو التاجر أن يصبح عالمًا. وكانت للمماليك بصمة واضحة لا يمكن إغفالها، وهي تحويل مصر إلى “مكتبة العالم الإسلامي”، ولولا جهود المماليك ومخطوطاتهم ما وصلنا نحو 70% من تراثنا.
ثالثًا: الدولة العثمانية 1299-1924م:
تشكل الدولة العثمانية العمود السياسي الثالث والأخير في الدولة الإسلامية، ويُعد فترة حكمهم امتدادًا سياسيًا لحكم السلاجقة والمماليك، مع تبنيهم للنهج التوسعي الكبير في مناطق أوروبا والمشرق العربي والإسلامي، بعد أن قادوا العديد من الحملات العسكرية لهذا الغرض. ورغم التوسع السياسي العريض للدولة العثمانية وتمددها الكبير بين قارات أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، فكانت أعظم إمبراطورية في عصرها.
تميزت الحياة العلمية والأدبية في الدولة العثمانية بالازدهار، فعرف عصرها التدوين، وتأليف الموسوعات، إلى جانب أنهم أخذوا نموذج السلاجقة والمماليك، مع وجود سمات بارزة في مجال التطور العلمي، مثل: بناء المراصد الفلكية والمدارس. وكان مرصد “تقي الدين الشامي” الذي أسس عام 1577م، يُعد من أدق مراصد العالم. وليس هذا وحسب، بل إن “سنان باشا” عمل على تأسيس شبكة المدارس “المدارس السليمانية” في كل الولايات التابعة للدولة العثمانية. وقاد ذلك إلى تطور مختلف العلوم في الطب والهندسة. أما في الناحية الأدبية، فكان من الطبيعي أن يشهد الأدب العربي حالة من الضعف لصالح ظهور اللغة العثمانية التي كانت عبارة عن خليط عربي وفارسي وتركي، وكان لها إنتاج أدبي كبير وضخم. وهناك العديد من الدواوين والمؤلفات التاريخية مثل: “تاريخ عثمان باشا”. لكن الشيء المميز أن العهد العثماني شهد طفرة في التدوين والموسوعات.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد تجسد في عهد الدولة العثمانية مبدأ التعايش بين الملل، أي الأديان، فسمي “نظام الملّة”: وهو نظام إداري واجتماعي سمح لغير المسلمين باستقلالية دينية وثقافية للمسيحيين واليهود داخل الدولة العثمانية، بممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية، بعيدًا عن تدخل الدولة. وهذا قاد إلى خلق ظروف اجتماعية تميزت بالتنوع، وكان من أهم سماتها مجتمع متعدد الثقافات مستقر لمدة 400 عام. ويُحسب للدولة العثمانية أنها طورت نظام الأوقاف، وجعلته من أهم المؤسسات التي تقدم الخدمات الاجتماعية للمجتمع، حتى أصبح نحو 90% من المباني العامة تابعة للأوقاف. كما قاموا بالتوسع في بناء المدارس في كل حي، وإنشاء دور الكتاتيب، وتوسيع الخدمات الاجتماعية الوقفية، مثل: بناء العديد من السبل للمياه لتقديم خدمات شرب الماء للناس، وبناء العديد من التكايا الخيرية لإطعام الفقراء، وهذا جعل من مؤسسة الوقف شبكة أمان اجتماعي قوية جدًا.
كما يُحسب للدولة العثمانية إدخال الطباعة، على الرغم من تأخر دخولها للدولة لأسباب واعتبارات دينية، وهي الخوف على تحريف القرآن الكريم، فكانت هناك فتوى دينية تحرم الطباعة، حتى عام 1727م، عندما صدرت فتوى شيخ الإسلام بإجازة دخول المطبعة، بعد موافقة السلطان العثماني عليها والصدر الأعظم، وكان ذلك بجهود شخص يدعى إبراهيم متفرقة الذي بذل جهدًا كبيرًا في إقناع العثمانيين بأهمية الطباعة. ورغم ذلك كانت الموافقة على دخول المطبعة مشروطة بعدم طباعة القرآن الكريم خوفًا من تحريفه. ثم توسعت جهود الطباعة لتكون عاملًا مهمًا في ظهور الصحافة في مصر، حيث صدرت فيها أول صحيفة في الدولة العثمانية تُدعى “صحيفة الوقائع المصرية” عام 1828م، في عهد الوالي محمد علي باشا الذي ساهم بشكل كبير في ظهور النهضة العربية في القرن التاسع عشر الميلادي.
وعليه فإن بصمة الدولة العثمانية حيال تطور الحياة العلمية والأدبية تكمن في الآتي:
أولًا: السيطرة على البلاد العربية قرابة 400 عام شهدت فيها هدوءًا نسبيًا باستثناء اليمن الذي ظل الحكم العثماني فيه قرابة مائة وخمسين عامًا، وأن القاسم المشترك بين هذه الدول هو دعم الدولة للعلماء ومنحهم الرواتب والإعطيات، وكانت مؤسسة الوقف تتكفل بذلك.
ثانيًا: دعم العلم وتشجيعه من خلال بناء المدارس الوقفية، والتوسع في تأسيس المكتبات العلمية التي مثلت بداية للنهضة، لاسيما مع وجود تسامح معرفي من خلال الجمع بين علوم النقل وعلوم العقل في الفقه، والفلسفة، والفلك، والطب، وعلوم اللغة.
ثالثًا: دعم اللغة العربية وتشجيع تعلمها باعتبارها لغة علم ودين، في حين اعتمد على اللغة التركية والفارسية كلغة للإدارة والأدب.
والخلاصة: هي أن السلاجقة لعبوا دورًا في تأسيس المدارس العلمية النظامية، فضلًا عن دور المماليك في إنقاذ التراث من الضياع بعد الغزو المغولي وتدمير بغداد وجعل القاهرة المنارة العلمية الجديدة. كما عمل العثمانيون على تبني أفكار المماليك ووسعوا الاهتمام بالتراث وثبتوا جهودهم في هذا الجانب طوال فترة حكمهم.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + ثمانية =