شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد
بين الخطاب والتحول: هل تدخل مناطق الشرعية في اليمن مرحلة إعادة تأسيس الدولة؟
قراءة تحليلية في شروط النجاح ومخاطر الإخفاق
في لحظات التحولات الكبرى لا تسبق الأحداثَ البياناتُ فقط، بل تسبقها دائماً لغةٌ مخصوصة، تُعرف في الأدبيات السياسية بلغة “ التهيئة الاستراتيجية ”.
وهي اللغة التي لا تهدف إلى الإقناع الآني بقدر ما تهدف إلى إعادة تشكيل توقعات المجتمع تجاه ما هو قادم.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب المتصاعد حول “مرحلة الدولة القادمة” في مناطق الشرعية بوصفه مؤشراً على دخول اليمن منعطفاً سياسياً–إدارياً بالغ الحساسية، تتجاوز رهاناته حدود التغيير الحكومي أو الإداري إلى إعادة هندسة منظومة السلطة والموارد والسلاح.
⸻
أولاً: السياق العام — من إدارة الأزمة إلى محاولة إنهائها
طوال سنوات الحرب، لم تكن المشكلة الأساسية في هذة المناطق غياب الحكومة بقدر ما كانت غياب “الدولة” بوصفها مركزاً جامعاً للقرار المالي والأمني والإداري.
تشكلت خلال هذه الفترة بنى سلطوية محلية متوازية:
قوى عسكرية مستقلة مالياً، شبكات جباية مناطقية، وإدارات أمر واقع تدير الموارد بعيداً عن المركز.
وبذلك نشأ ما يمكن تسميته بـ اقتصاديات الفوضى التي تحوّلت مع الوقت إلى مصالح راسخة.
الخطاب الجديد لا يعِد بتحسين الأداء فحسب، بل يلمّح إلى تفكيك هذه البنية ذاتها وإعادة مركزتها داخل الدولة، وهو انتقال نوعي من “إدارة الفوضى” إلى محاولة إنهائها.
⸻
ثانياً: لماذا هذه المرحلة شديدة الحساسية؟
إعادة بناء الدولة ليست عملية فنية محايدة، بل هي عملية إعادة توزيع للقوة.
وهي بالضرورة:
• تسحب الامتيازات من قوى نشأت خارج إطار الدولة
• تعيد تعريف من يملك المال ومن يملك السلاح ومن يملك القرار
• وتحوّل الفوضى من كونها “فرصة” لبعض الفاعلين إلى “خسارة”
لهذا السبب، فإن هذه المرحلة تاريخياً أخطر من الحرب نفسها؛ لأن الصراع فيها لا يدور بين عدوين واضحين، بل بين الدولة الوليدة وشبكات نفوذ نشأت داخل بيئتها الاجتماعية نفسها.
⸻
ثالثاً: شروط النجاح الأربعة
نجاح هذه المرحلة لا يتوقف على حسن النوايا ولا على كثافة الخطاب، بل على تحقق أربعة شروط حاكمة:
أولاً:عدالة الترتيبات
أي أن تكون إعادة توزيع السلطة والموارد قائمة على قواعد مؤسسية واضحة، لا على منطق الإقصاء أو الانتقام أو المكافآت السياسية، بحيث يشعر الفاعلون بأنهم داخل نظام جديد لا ضحايا له.
ثانياً:شفافية إدارة المال العام
لأن المال هو العمود الفقري لأي دولة، فإن إعادة توحيد الإيرادات داخل البنك المركزي لن يكون ذا معنى إن لم يُقترن:
• بأنظمة رقابة مستقلة
• وموازنات معلنة
• وآليات صرف قابلة للتدقيق العام
فالرواتب المنتظمة لا تشتري الاستقرار فحسب، بل تؤسس لعقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن.
ثالثاً:طريقة التعامل مع القوى التي ستخسر نفوذها
وهذا هو الشرط الأخطر.
فالدولة لا تُبنى فقط بمن ينضمون إليها، بل أيضاً بكيفية تحييد أو استيعاب من سيتضررون من قيامها.
التاريخ يُظهر أن تجاهل هذه الفئة أو دفعها إلى الزاوية بالقوة يولّد تمردات مؤجلة، بينما استيعابها بشروط قانونية ومؤسسية يخفف تكلفة الانتقال.
رابعاً:الخدمات العامة — الاختبار الصامت لصدق التحول
في جميع تجارب الانتقال من الفوضى إلى الدولة، لم يكن الأمن ولا الخطاب السياسي هو المعيار الحاسم لثقة المجتمع، بل قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية بصورة منتظمة وقابلة للتنبؤ.
فالدولة، في وعي الناس، لا تُقاس ببياناتها، بل بانتظام الماء، واستقرار الكهرباء، وتوفر الغاز، ووصول الرعاية الصحية، وانتظام التعليم.
1- الماء والكهرباء: من الاستثناء إلى الحق
طوال سنوات الحرب، تحوّل الحصول على الماء والكهرباء إلى حالة طوارئ دائمة، تُدار عبر حلول مؤقتة، ومبادرات إسعافية، وأسواق موازية.
المرحلة القادمة — إن كُتب لها النجاح — تتطلب الانتقال من:
إدارة الانقطاع إلى إدارة الخدمة بوصفها حقاً عاماً
وهو انتقال لا يمكن تحقيقه دون:
• إعادة تأهيل البنية التحتية
• مركزية التخطيط مع لامركزية التشغيل
• إخضاع قطاعي المياه والكهرباء لرقابة مالية وفنية صارمة
2- الغاز والمواد الأساسية: كسر اقتصاد الابتزاز
أصبح الغاز المنزلي، شأنه شأن الوقود، أداة ضغط اجتماعي، تُستخدم في أوقات الأزمات لتغذية السوق السوداء.
وجود دولة فعلية يعني:
• ضبط سلاسل التوريد
• كسر الاحتكار
• تسعير شفاف
• توزيع عادل جغرافياً
وهو ملف حساس، لأن ضبطه يعني تجفيف أحد أكثر اقتصاديات الفوضى ربحاً.
3- الصحة: من الإغاثة إلى النظام
النظام الصحي في هذة المحافظات ظل لسنوات معتمداً على المنظمات الإنسانية أكثر من اعتماده على مؤسسات الدولة.
لكن الدولة لا يمكن أن تقوم على نموذج “الإغاثة الدائمة”، بل على:
• موازنة صحية مستقرة
• إدارة مستشفيات عامة فعّالة
• سياسات وقائية لا إسعافية فقط
التحول الحقيقي يبدأ حين تصبح المنظمات مكملة للنظام الصحي لا بديلاً عنه.
4- التعليم: الاستثمار الوحيد الذي لا يُرى أثره فوراً
في ظل الأزمات، يُنظر إلى التعليم غالباً كملف مؤجل.
غير أن الدول التي خرجت من النزاعات أدركت متأخرة أن تأجيل التعليم هو تأجيل للاستقرار نفسه.
انتظام التعليم، ودفع رواتب المعلمين، وتحديث المناهج، ليست ملفات اجتماعية فقط، بل هي:
سياسات أمنية بعيدة المدى
⸻
الخدمات كشرط سياسي لا تقني
الخدمات ليست ملفاً فنياً منفصلاً، بل هي:
• أداة بناء الثقة
• معيار الشرعية
• خط الدفاع الأول ضد عودة الفوضى
فالدولة التي تفشل في توفير الماء والكهرباء والدواء والتعليم، ستجد نفسها — مهما امتلكت من قوة أمنية — أمام مجتمع يبحث عن بدائل خارجها.
خامساً : سيناريوهات المآل
1- نجاح الشروط الأربعة
ترتيبات عادلة، مال شفاف، إدارة ذكية للخاسرين، خدمات ميسرة
بداية تشكل دولة قابلة للاستمرار
2- نجاح جزئي
خلل في أحد الشروط
استقرار هش وقابل للانفجار
3- فشل
انعدام الخدمات وغياب العدالة أو الشفافية أو سوء إدارة الخاسرين
دورة اضطراب جديدة بأدوات داخلية
الخلاصة:
إذا كانت عدالة الترتيبات تمنع الانفجار السياسي، وشفافية المال تمنع الانهيار الاقتصادي، وحسن إدارة الخاسرين يمنع التمرد،
فإن انتظام الخدمات هو ما يمنع الناس من فقدان الإيمان بفكرة الدولة ذاتها.
وبدونه…
يصبح أي تحول مجرد إعادة ترتيب للنخب الفاسدة، لا ولادة دولة.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد