تحليل علمي وتاريخي ينفي وجود حقل نفط عملاق ويكشف الفجوة بين التقديرات الإعلامية والواقع الإنتاجي منذ عام 1980.
بيان توضيحي بشأن ما نُشر عام 1980 حول اكتشاف نفطي مزعوم في صعدة
المرصدنيوز/. عبدالغني عبدالله جغمان
خبير نفطي واستشاري تنمية موارد طبيعية
إشارةً إلى يتم تداوله اليوم .. حول ما نشرته صحيفة السياسة بتاريخ 23 مارس 1980 بشأن اكتشاف حقل نفطي ضخم يُقدَّر بخمسة مليارات برميل في شمال الجمهورية العربية اليمنية (آنذاك) بمنطقة صعدة، والجزء المقابل لها في حوض تهامة البحري، ومنسوب إلى شركة فرنسية هي Compagnie Française des Pétroles – التي أصبحت لاحقًا TotalEnergies – فإن من الواجب عرض المعطيات الجيولوجية والتاريخية والإنتاجية المرتبطة بهذا الادعاء استنادًا إلى مصادر موثقة ودراسات فنية منشورة.
دعونا نناقش الموضوع من ناحية جيولوجية، تقع منطقة صعدة ضمن نطاق صخور القاعدة القديمة (Precambrian Basement Complex)، حيث تنكشف الصخور النارية والمتحولة على السطح، ولا تمثل حوضًا رسوبيًا عميقًا متكامل العناصر البترولية. إن تكوّن حقل نفطي بحجم عدة مليارات من البراميل يتطلب توافر نظام بترولي متكامل يشمل صخور مصدر ناضجة حراريًا، وخزانًا ذا مسامية ونفاذية مناسبة، وغطاءً مانعًا إقليميًا فعالًا، ومصيدة تركيبية واسعة. هذه العناصر تتوافر بوضوح في حوض مأرب–الجوف، الذي حقق أول اكتشاف تجاري في شمال اليمن عام 1984 بواسطة Hunt Oil Company وبدأ الإنتاج منه عام 1987 [1]. أما في صعدة، فإن طبقات الجوراسي العلوي( والتي تسمى بالبلق – الأحجار الجيرية، او حجر الرملي لمجموعة كحلان) ، بما فيها تكوين ألف الرملي وملح السبعتين (صافر) الذي يشكل الغطاء الإقليمي للمكامن النفطية في مأرب، غير محفوظة نتيجة الرفع التكتوني والتعرية، ما يضعف احتمالية وجود نظام احتجاز فعال للنفط في مناطق عمران وصعدة.
وبناء على ذلك لم يتم وضع هذه المنطقة ضمن قطاعات الامتياز حسب خريطة القطاعات النفطية الرسمية الصادرة من هيئة استكشاف وإنتاج النفط في اليمن .
شكل 1 خريطة القطاعات النفطية في اليمن (المصدر: هيئة استكشاف وانتاج النفط)
شكل 2 خريطة جيولوجية للاحواض الرسوبية، توضح ان حوض مارب الجوف لا يمتد شمالا باتجاه صعدة ، كما ان صخور الاساس هي الظاهرة على السطح في منطقة شمال شمال اليمن
أما في المنطقة الواقعة بين شرق عمران وشمال غرب الجوف(حرف سفيان) ، والواقعة جيولوجيًا في حوض المرتفعات الوسطى (قطاع 21) ، فقد نفذت شركات دولية أعمال استكشاف في أواخر الثمانينيات بالضبط في 1985. حيث حفرت شركة Exxon بئر خيوان-1 عام 1988 بعمق يقارب 1,797 مترًا، كما حفرت Texaco بئر شجي-1 عام 1990 بعمق يقارب 1,780 مترًا. وقد أظهرت الآبار شواهد هيدروكربونية محدودة دون تحقيق اكتشاف تجاري.
ومن المهم الإشارة إلى أنني قمت خلال العام الماضي بإجراء دراسة جيولوجية متكاملة لحوض المرتفعات الوسطى (2025) والتي ناقش فيها نتائج بئر خولان الغازية إلى أن الحوض يمثل هامشًا جيولوجيًا ضعيف النظام البترولي نتيجة غياب الغطاء الملحي الإقليمي وضعف وجود التراكيب الحاملة لكميات اقتصادية[2].
شكل 3 خريطة تفصيلية توضح احواض المنطقة الشمالية
اما فيما يخص الجزء الغربي وفي تهامة والساحل الغربي، فقد بدأت أعمال الاستكشاف منذ عام 1952، حيث أجرت شركتا Brakla وDillman الألمانيتان مسوحات أولية، ثم حفرت شركة Mecom الأمريكية خمس آبار بين 1961 و1962، وتبعتها Royal Dutch Shell بآبار بحرية وبرية (1976–1982)، وأجرت BP دراسات جيولوجية عام 1984، ورغم تسجيل شواهد نفطية وغازية في بعض الآبار، لم يُعلن عن أي اكتشاف تجاري كبير في تلك المناطق.
في عام 1985 وقعت Compagnie Française des Pétroles (التي اشارت لها الصحيفة الكويتية) امتيازًا استكشافيًا في جنوب تهامة بمساحة تقارب 9,000 كيلومتر مربع برًا وبحرًا (5,000 كم² برًّا،4,000 كم² بحرًا)، تم تنفيذ بعض الاعمال الجيوفيزيائية والاستكشافية، إلا أنه لم يُعلن عن اكتشاف تجاري ضمن هذا الامتياز بحسب السجلات الرسمية للشركة، وتم إنهاؤه لاحقًا دون تطوير حقول منتجة في عام 1989[3][4].
إن الوثائق المنشورة من البنك الدولي حول مراجعة استراتيجية الطاقة للجمهورية العربية اليمنية عام 1985 تشير بوضوح إلى أن امتياز الشركة الفرنسية في جنوب تهامة كان استكشافيًا ولم يسفر عن اكتشافات معلنة آنذاك [3]. كما أن أرشيفات الدولة الفرنسية (FranceArchives) التي تحفظ سجلات شركة CFP/Total لا تتضمن إعلانًا رسميًا عن اكتشاف تجاري في صعدة خلال تلك الفترة [4].
وهنا نود الإشارة الى موضوع اخر قد يظهر في مواقع التواصل لاحقا، وهو تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الصادر عام 1988 بعنوان South Yemen’s Oil Resources: The Chimera of Wealth قدّر الموارد المحتملة في جنوب اليمن بنحو خمسة مليارات برميل والذي صدر بعد ان تم الإعلان التجاري واكتشاف حقول صافر في مارب من قبل شركة هنت في 1984 وهي محاولة لتقييم الموارد النفطية المحتملة في جنوب اليمن، إلا أن التقرير استخدم مصطلح موارد محتملة “ Prospective Resources ” وليس احتياطيات مؤكدة “Proved Reserves”، وهو فارق جوهري في الصناعة النفطية، إذ إن الموارد المحتملة تمثل تقديرًا جيولوجيًا أوليًا، بينما الاحتياطي المثبت هو ما يتم تأكيده بالحفر والإنتاج الفعلي [5].
وفق البيانات التاريخية لتقارير الطاقة الدولية، وبناء على بيانات الإنتاج الواقعية، لم يتجاوز إجمالي الاحتياطي المؤكد لليمن تاريخيًا نحو أربع مليارات برميل، وقد تم إنتاج ما يقارب 90% منه حتى عام 2023، بينما بلغت ذروة الإنتاج في 2001-2002 نحو 440 ألف برميل يوميًا [6]. ولو كان هناك حقل منفرد في صعدة بحجم خمس مليارات برميل، لكان الاحتياطي الوطني تضاعف، ولانعكس ذلك بوضوح في بيانات الإنتاج والاحتياطيات خلال العقود الماضية، لان النفط والثروة لا يمكن ان تخفي نفسها.
بناءً على ما سبق، فإن المعطيات الجيولوجية، ونتائج الحفر الاستكشافي، والسجل الرسمي للاكتشافات، وأرقام الاحتياطيات والإنتاج الفعلية، لا تدعم وجود حقل نفطي عملاق في صعدة بحجم خمس مليارات برميل. ويُرجَّح أن ما نُشر عام 1980 استند إلى تقديرات استكشافية أولية أو قراءة إعلامية متفائلة للمعطيات آنذاك، وليس إلى اكتشاف تجاري مثبت وفق المعايير الفنية المعتمدة في صناعة النفط.
ونخلص بالقول إن مناقشة قضايا الثروات الطبيعية يجب أن تستند إلى بيانات جيولوجية موثقة ونتائج حفر وإنتاج مثبتة، لا إلى تقديرات أولية أو قراءات إعلامية متفائلة. إن تاريخ الاستكشاف في شمال اليمن وغربه يمتد لأكثر من سبعين عامًا، وشاركت فيه شركات دولية كبرى، وقد أثبتت النتائج أين تتوافر العناصر الجيولوجية المنتجة وأين تضعف.
إن الشفافية العلمية والالتزام بالحقائق الرقمية هما الأساس في بناء فهم وطني رصين لقضية النفط، بعيدًا عن المبالغات أو التأويلات غير المدعومة بالأدلة الفنية. وعليه، فإن أي ادعاء بوجود احتياطيات عملاقة في منطقة لم تُثبتها أعمال الحفر أو بيانات الإنتاج لا يمكن اعتماده دون سند علمي واضح ومعلن.
ولهذا لن نسمح للمتطفلين على القطاع النفطي ان يبثوا سمومهم من اجل اجندات سياسية هنا او هناك .. ونحن لهم بالمرصاد ..
المراجع
[1] بيانات الاكتشاف والإنتاج – Hunt Oil Company، تطوير حوض مأرب–الجوف (1984–1987).
[2] عبدالغني جغمان (2025)، دراسة الإمكانيات النفطية لحوض المرتفعات الوسطى (القطاع 21 سابقًا)، تحليل بنيوي وطبقي ونتائج الآبار الاستكشافية.
[3] World Bank (1985)، Yemen Arab Republic: Energy Strategy Review – إشارة إلى امتياز CFP في جنوب تهامة وعدم تسجيل اكتشافات معلنة آنذاك.
[4] FranceArchives – سجلات وأرشيف شركة Compagnie Française des Pétroles / Total، عقود وامتيازات ثمانينيات القرن الماضي.
[5] وكالة الاستخبارات المركزية (1988)، South Yemen’s Oil Resources: The Chimera of Wealth.
[6] تقارير الطاقة الدولية وبيانات الإنتاج التاريخي لليمن (ذروة الإنتاج ≈ 450 ألف برميل/يوم؛ احتياطي مؤكد ≈ 4 مليار برميل؛ إنتاج تراكمي ≈ 90% حتى 2023).
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد