المرصدنيوز/خاص
تستمر رحلتي مع قلم الدكتور أحمد قاسم العريقي ، هذا الصيدلي الذي يتقن تركيب الحرف كما يتقن تركيب الدواء . فمنذ “زربة اليمني” في 2020 ، و”زهر الغرام” التي نافست على الجوائز ، وصولاً إلى دهشة الفانتازيا في “يوم مات الشيطان” ، وأنا أرقب هذا التصاعد الإبداعي . واليوم ، في روايته “أوراق من مملكة سبأ” ، يضع سماعة الطبيب على صدر التاريخ ، ليخرج لنا نصاً يمزج بين ألم الحاضر وأمجاد الماضي .
تبدأ الرواية بحدث معاصر ، حيث تؤدي ضربة طيران في مأرب إلى إحداث حفرة عميقة في حدود “بني ضبيان” ، يقود هذا الكشف طالب الآثار “نادر السعيدي” للعثور على تابوتين ، أحدهما للملكة والآخر يضم 44 ورقة بردي كتبها المؤرخ “كهلان” لتوثيق سيرة الملكة بلقيس (بلقمة بنت يثع أمر) . هذه الملكة التي تسلمت الحكم بعد وفاة زوجها “إلعبد ذو الأذعار” يوم نكاحهما ، وهو الذي كان قد اغتصب الملك من أبيها .
يأخذنا العريقي إلى تفاصيل مدهشة ، حيث “قصر سلحين” ومجلس “المسود” الذي وسعته الملكة بذكاء ليضم 20 رجلاً و5 نساء من الأقيال والأذواء ، مراعية التعدد العقدي لمخاليف مملكتها التي امتدت من مأرب و”برقش” إلى الضفة الأخرى من بحر القلزم . نرى عدالة “بلقمة” التي ساوت بين شعبها الأبيض في مأرب والأسود في “دعمت” بأرض الحبش ، وبين ملل وعقائد أقاليمها الثلاثة فمخلاف ذي معافرم على ملة إبرام ومخلاف حضرموت على ملة هود ومخلاف سبأ هم عبدة ذات حميم وهي الشمس ، لقد آمنت أن الجيش للبناء والحماية معاً ، وانتزعت خراج الدولة من أيدي كهنة معبد “أوام” المتنفذين في السياسة ، لتعيده لخزينة الشعب ، متحدية نفوذ الكاهن الأكبر .
يرسم لنا النص تفاصيل الحياة السبئية بدقة ، من “التقويم الباراني” واستخدام “ذي نار” كعملة ، وصولاً إلى طقوس الحج والطهارة والوضوء حول “مقة” بثمانية أشواط ، حين استلهم السبأيون طريقة حجهم من أتباع إبرام ، فسموا معبدهم مقة بدلاً من مكة ، وطافوا ثمانية بدلاً من سبعة ، وتجريم العنف ضد الحيوان ، ورفع قيمة العبيد . لقد جسد كهلان فلسفة الملكة في مواجهة استغلال الكهنة الذين يطلبون نذور الذهب من الفقراء ، بينما كانت هي تردد وصية الملك سبأ : “بالعدل تزدهر الممالك” .
لكنني كقارئ ، وجدتُ أن وضع الحاشية في نهاية الرواية كان مربكاً جداً ويتطلب عودة مستمرة للخلف ، وكان الأنسب إدراجها في ذيل كل صفحة لتيسير التدفق السردي . كما توقفتُ ملياً عند قول المؤرخ إن رحلة الملكة لغرب القلزم استغرقت ثلاثة أشهر ، وهي مدة أراها مستحيلة التحقق منطقياً ؛ بالنظر إلى شساعة الجغرافيا الممتدة من مندبان وميناء “سمهرم” شرقاً ، وصولاً إلى “أكسوم” وميناء “زيلي” بالصومال ، ومن قم العودة .
وكذلك التنقل الذي حصل لنادر بين الجوف والبيضاء وصنعاء ومأرب لم يكن فيه الكاتب دقيقاً في وصف الطرق والمسافات ، حيث أن الذي في الجوف يمكنه الدخول إلى صنعاء خلال ساعتين ولا يتطلب منه الذهاب إلى البيضاء ومأرب ثم صنعاء ..
وفي الختام ، فإن تحول هذا العمل إلى رواية بعد ضياع الأصول في سيل جرف بدروم “نادر السعيدي” ، هو ذكاء فني يحرر الكاتب من قيد الإثبات التاريخي . لقد قدم لنا الدكتور العريقي بلقيس التي أحبها شعبها حتى ظنوها إلهة ، ليعيد تذكيرنا بصرخة كهلان المدوية : “شعب سبأ لا يتعظ من ماضيه يا مولاتي” .
دكتورنا العزيز ، إن كنت قد أدهشتنا بصيدلية حرفك ، فنحن اليوم مريدوك في هذه الطريقة التي تضع اليد على الوجع ، لنقرأ تاريخنا بعيون معاصرة .
الملكة بلقمة كانت ترى أن مهام الجيش هي الحماية والبناء ، وكانت تساوي بين شعبها الأبيض في مأرب والأسود في دعمت أرض الحبش ، عدالة بين الذكر والأنثى والفقير والغني والكهنة والشعب . ولهذا حبها شعبها لما رأوه منها من عدالة حتى اعتقدوا أنها الهة نزلت عليهم من السماء ، وما زاد اعتقادهم أنها لم تتزوج ببشر كون الآلهة يفعلون ذلك ، حتى أنها رفضت الزواج من الملك سليمان المسمى في الرواية شلومو .
من حكمتها ولتخضع القبائل على الطاعة أخذت من كل قبيلة رهائن ، فتاة عذراء لتكون وصيفتها ويقدم كل قائد شعب أحد أبنائه وأقربائه ليكون من حراسها ..
حاولت بكل إرادتها أن تجمع خراج المملكة لخزينة الدولة وليس لخزينة الكهنة ، فدخلت بهكذا قرارات في صراع مع الكهنة الذين شعروا أن صلاحياتهم بدأت تتضاءل في عهدها .
يقول كاتب البردي ومؤرخها : أدركت أنها ستدخل حربا ضروساً مع كهنة المعبد طالما والعامة يستمعون للكهنة الذين يرددون لهم كلام الآلهة مثل ” من عادى كهاني عاديته ومن أحبهم أحببته “.
حج أهل سبأ شبيه بحج المسلمين الموحدين في الطواف والملابس والاضاحي البريئة من كل عيب ، لكن بدلاً من سبعة أشواط تكون ثمانية وبدل مكة ، يطوفون حول مقة .
أوقات صلواتهم مرتبطة بشروق الشمس وزوالها وغروبها وعليهم الوضوء والطهارة قبلها .
وعلى ما يبدو لي أن هناك تأثر بديانة التوحيد وعقيدة إبرام الذي هو إبراهيم خصوصاً في ظل وجود أتباع نبي الله هود القريبين منهم في حضرموت .
كان الكهنة يستغلون حاجة الفقراء والبسطاء ويطلبون نذور ثمينة وتماثيل مصنوعة من الذهب ليكفروا عن ذنبوهم ..
الملكة رفعت قيمة العبيد لترفع من شأن الإنسان وخفضت الضرائب ونهت عن العنف والتعامل مع الحيوان بعنف ..
29.4.2026
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد