خريف الوعي المستدام: كيف تلتهم الشجرة المسمومة حاضر اليمن ومستقبله؟

المرصد نيوز/ بقلم /عبدالإله عطشان

بين يدي واقع أليم يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليمنية تبرز ظاهرة تعاطي القات كأحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه الإنسان والتنمية على حد سواء إنها ليست مجرد عادة اجتماعية عابرة بل هي استنزاف مركب ومعقد يمتد ليعصف بالمنظومة الاقتصادية والصحية والنفسية والبيئية للبلاد وعند تفكيك هذه الظاهرة من منظور علمي وأكاديمي رصين نجد أن المجتمع يقف أمام عملية تدمير ذاتي ممنهجة تغذيها المغالطات وتدفع ثمنها الأجيال القادمة من حاضرها ومستقبلها.

​تبدأ الكارثة من عمق الأرض حيث يشكل التوسع المهول في زراعة القات جريمة بيئية مكتملة الأركان بحق الأمن المائي لليمن الذي يصنف دولياً كأحد أفقر البلدان بالموارد المائية إن استهلاك المياه الجوفية لري هذه الشجرة يلتهم النصيب الأكبر من الأحواض المائية المستنزفة مما يسرع خطى البلاد نحو جفاف حتمي ويحرم المحاصيل الغذائية الأساسية والخضروات والفواكه من حقها في الري مستبدلاً سلة الغذاء اليمني بشجرة لا تسمن ولا تغني من جوع بل تورث الفقر المائي والغذائي ولا يتوقف الحد عند استهلاك الماء بل يتعداه إلى تلويث التربة والمياه الجوفية والمحصول ذاته عبر الاستخدام العشوائي والمفرط للمبيدات والأسمدة الكيميائية المحظورة دولياً والتي يُهرب الكثير منها بطرق غير قانونية إن هذه المواد الكيميائية ومنها مشتقات الميثوميل وبروميد الميثيل تحولت إلى سموم يومية يمتصها جسد المتعاطي مما أدى إلى قفزات مرعبة في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والفشل الكلوي والتليف الكبدي الحاد حيث تؤكد الشواهد الطبية التدفق الهائل للمرضى على مراكز الأورام والذين يشكل ضحايا السموم الزراعية النسبة العظمى منهم.

​ومن الناحية الفسيولوجية والطبية فإن القات يحتوي على مركبات قلوية نشطة مثل الكاثين والكاثينون وهي مواد ذات تأثير شبيه بالأمفيتامينات تؤدي بشكل مباشر إلى إحداث حالة من الاعتماد النفسي والاضطراب السلوكي يتجلى هذا التأثير في الدورة اليومية للمتعاطي والتي تبدأ بوهج زائف من النشاط والتركيز ليعقبها هبوط حاد يؤدي إلى القلق والتوتر والانعزال هذا الخلل الهرموني والعصبي يتفاقم مع امتداد ساعات التخزينية إلى أوقات متأخرة من الليل مما يسبب أرقاً مزامناً وتراكماً حاداً للسهر إن الحرمان المزمن من النوم الصحي لا يقتصر أثره على الخمول البدني في اليوم التالي بل يدمر الخلايا العصبية ويضعف الجهاز المناعي ويرفع من احتمالية الإصابة بأمراض القلب والشرايين فضلاً عن حالات الشرغة أو الغصص المفاجئة أثناء النوم أو اليقظة والتي أودت بحياة الكثيرين نتيجة انسداد مجرى التنفس تحت تأثير التخدير الموضعي لعضلات البلعوم.

​إن هذا الاستنزاف الصحي يتوازى مع محرقة مالية وزمنية تقوض الركائز الاقتصادية للفرد والمجتمع فالأولاد والزوجات يحرمون من أبسط مقومات العيش الكريم والتعليم والصحة نظراً لأن ميزانية القات تحظى بالأولوية القصوى في وعي المدمن وهو ما يمثل انحرافاً قسيمياً في المسؤولية الأخلاقية والأسرية كما أن هدر الساعات الطوال يومياً في مجالس القات يمثل هدراً للقيمة الإنتاجية للبلاد إذ تتحول ساعات العمل والعطاء إلى ساعات من الركود واللامبالاة والسرحان مما يعطل عجلة التنمية ويحكم على المجتمع بالتبعية والفقر.

​إن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تقع اليوم قبل غيرهم على عاتق النخبة المثقفة والأكاديميين والأطباء وقادة الرأي إن تورط بعض الفئات المتعلمة في هذه الآفة يمنح سلوك الإدمان شرعية زائفة في نظر البسطاء الذين يحتجون بصنيع علمائهم وأطبائهم لتبرير استمرارهم في هذا المستنقع لا يمكن لبناء مجتمعي أن يستقيم وقادته ومفكريه يرهنون عقولهم وأوقاتهم لشجرة تستنزف دماء الوطن وثرواته إن مواجهة هذا الخطر لا تتطلب مجرد وعظ عابر بل تتطلب انتفاضة وعي حقيقية يبدأها المثقف بوعي نفسه لتتحول المقاطعة إلى سلوك حضاري وتتحرر الإرادة اليمنية من سلطة هذه النبتة استعادةً لصحته وحمايةً لأطفاله وإنقاذاً لما تبقى من موارد هذا الوطن الغالي.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 2 =