المرصدنيوز: بقلم:د. بكيل محمد الكليبي.
تسير العملية التعليمية في البلاد نحو أفق مظلم دون وجود تخطيط تعليمي مسبق، ينظم العملية التعليمية ويضع حدودًا صارمة تجاه المواد العلمية التي يدرسها الطلاب في المدارس في مختلف الصفوف. فالملاحظ في سير العملية التعليمية وجود نوع من المفارقات العجيبة في هذا الجانب، لاسيما الاهتمام بالمواد العلمية كالرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والأحياء. وهذه المواد مهمة في الواقع الذي نعيشه، ونحتاج إلى الكوادر المتخصصة في تلك التخصصات الحياتية التي تحتاجها البلاد. كما أن الحاجة ماسة للكوادر المتخصصة في العلوم الإنسانية التي تخدم المجتمع، وتعمل على رفع مستوى ثقافته. لكن الاهتمام بعلوم الحياة لا يعني بالضرورة إهمال مواد العلوم الإنسانية التي يدرسها الطلاب في المدارس، كالقرآن الكريم، والتربية الإسلامية، واللغة العربية، والتاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، والمنطق. ولا يمكن عقد مقارنة للتفضيل بين العلوم، فـ “علوم الحياة” من شأنها أن تخرج المهنيين من أطباء ومهندسين…إلخ، في المقابل فإن العلوم الإنسانية تعمل على تخريج المفكرين والنقاد والمحللين ومن يعملون في خدمة المجتمع، وكلٌ في سياقه وتخصصه. فجميع العلوم مطلوبة لرقي الشعوب وتطورها، إذ لا يمكن أن نبني نهضة من خلال الاهتمام بعلوم محددة في حين أن بقية العلوم الأخرى مجرد روتين تم الاعتياد عليه، وبالتالي فإن الاهتمام بها مجرد مضيعة للوقت لانعدام الجدوى المادية منها.
إن اعتماد التفضيل بين العلوم المختلفة في العملية التعليمية في مختلف المدارس في اليمن ناتج عن وجود قصور ذهني لدى العاملين على التعليم أو المشرفين عليه. لأن السير بتلك المبررات يؤكد وجود خلل في العملية التعليمية، وهذا الخلل يستمر معنا كل عام. والسبب في ذلك مسار الثانوية العامة الذي يسير في اتجاه القسم العلمي، وإهمال أو إلغاء القسم الأدبي في جميع مدارس الجمهورية، على الرغم من وجود عدد كبير من الطلاب لهم ميول لدراسة العلوم الإنسانية. والسبب وراء تضخم قسم على حساب القسم الآخر يعود إلى الكم الهائل من الشحن الموجه الذي يستهدف ضرب التخصصات الإنسانية كل يوم، حتى يجد المتخصص فيها الحرج من ذكر تخصصه عندما يتم الحديث عنه. لأن هناك توجيهًا ممنهجًا يهدف إلى إحداث خلل مستقبلي لصالح التركيز على المواد العلمية التي جرى تصنيفها حسب منطق الربح والخسارة، دون أي اعتبار للمعايير العلمية التي لا تفضل علمًا على آخر. بل إن جميع العلوم مطلوبة لتلبية احتياج السوق من مختلف التخصصات. فإذا كان المجتمع بحاجة إلى المهندس والطبيب، فهو أيضًا بحاجة إلى القاضي العادل، والمصلح الاجتماعي الذي يحصن المجتمع من الآفات والأمراض التي تشوه فطرته الإنسانية. فالتفاعلات الكيميائية تنتج في المعامل المخدرات، ويعلمنا القرآن الكريم والتربية الإسلامية الابتعاد عنها وتحريمها، بغرس القيم والأخلاق وحب الوطن الذي تجذره فينا العلوم الإنسانية، وتدفع بنا لبذل دمائنا في ميدان الدفاع عنه.
وهنا أجدها فرصة للتوجه بنداء عاجل إلى معالي وزير التربية والتعليم والبحث العلمي، للعمل على إيجاد مخرج للحالة التعليمية التي نعيشها اليوم في ظل الانتشار الكبير للمدارس الحكومية والخاصة. ولا يمكن لي أن أزايد في هذا المسار، بل أجد نفسي متحسرًا مثلي ومثل غيري من متخصصي العلوم الإنسانية الذين يعانون من وجود هذا التفضيل المقيت، لاسيما عند التقدم للعمل في المدارس الأهلية التي تعامل مدرسي المواد العلمية معاملة “ملائكة الرحمة”، في حين أن معاملة “ملائكة العذاب” مخصصة لمعلمي العلوم الإنسانية، الذين أصبحوا وفقًا لتلك المعادلة مجرد عمال أوجدتهم الضرورة في هذا المجال. ويمكن الاستغناء عن أي مدرس في أي وقت لأن هناك الكثير ممن باستطاعتهم تدريس تلك المواد حتى وإن لم يكونوا متخصصين. وهنا الطامة الكبرى التي تقود إلى خلق نفور واسع لدى الطلاب من المواد الإنسانية، والسبب إسناد تلك المواد لمعلمين غير متخصصين. والحجة أن تلك المواد غير مهمة لدى بعض قيادات المدارس الأهلية الذين لا يحترمون التعليم والعملية التعليمية، لأن الهدف الرئيس ليس جودة التعليم بل معيار الربح والخسارة.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد