عاش مبتسماً بقلبٍ أبيض ورحل عن الدنيا بهدوء: المرحوم العميد خالد صالح مِعيضْ: رجُل المكرمات الذي توارى!!

المرصدنيوز/كتب: رأفت الجُميِّل

عام كامل مر على رحيل الرجل الطيب المرحوم العميد خالد صالح مِعيضْ -رحمة الله تغشاه- ولا زال هناك من يتذكره، ويتذكر دماثة خُلقه وتعامله الرائع، وحُسن معشره، أردت هنا أن أُذّكِّر بمرور عام على رحيل هذا الرجل الطيب، وأطلب من القُرَّاء الأعزاء قراءة الفاتحة على روحه الطاهرة، ونستذكر مواقفه الرائعة والوطنية ومساهمته في بناء هذا الوطن الذي تكالبت عليه الأيدي السوداء بقصد الإجهاز عليه وعلى أبناؤه.

لقد كان الفقيد -رحمهُ الله- قامة وطنية وإنسانية فريدة، نذر حياته لخدمة مُجتمعه ووطنه، متسلحاً بنقاء السريرة وطيب المعشر، ومتواضعاً في كل محطات حياته رغم جسامة المسؤوليات التي تقلدها.. لم يكن العميد خالد مجرد رجُل دولة يؤدي واجباً، بل كان مدرسة في القيَّم النبيلة، ورمزاً للعطاء الذي لا ينتظر المقابل، طالما كان الهدف هو زرع الخير ومد يد العون لكل محتاج.

وحين نتذكر غيابه المؤلم، يرتسم في الأفق شريط طويل من المواقف المضيئة، مواقف المشاطرة في الأحزان والمسارعة في الأفراح، وحل الخلافات، وإصلاح ذات البين بحكمة بالغة وإبتسامة لا تكارق محياه.. لقد ترك رحيله فراغاً كبيراً في قلوب كل من عرفوه، كما ترك أيضاً إرثاً غنياً من المحبة والذِكر الحسن الذي لا يموت بمرور الأيام والأعوام.

إمتلك -رحمه الله- روحاً مؤنسة قريبة من القلوب، فمن أقبل عليه أحبه بصدق، وحين تجالسه، يتلاشى إحساسك بالزمن وتنتعش روحك بحديثه العذب، بينما يغمرك الفرح وأنت تنهل من حصيلة فكره الثري وُرؤاه المتجددة التي يضفيها على كل مجلس يحضره.

لقد كان الفقيد غنياً بثقافته وعقله، وفيّاً لعطائه الحضاري المتميز، ترتسم على محياه أصالة ابن القرية ووقاره، فتواضعه يمتزج بالعزة، وقوته وتماسكه يلينان بحنان الطبع، إلى جانب قدرة إستثنائية على قهر الصعاب وتحدي أقسى المتاعب مهما ثُقلت.

إتسع قلبه للجميع برحابة تشبه إتساع السماء، وتحلى بعقل راجح يزن الأمور بميزان الحكماء والعلماء، متجرداً من أي تعصب للون أو جنس.

ذلك هو العميد خالد صالح مِعيض، الرجل الذي ودعه أهلوه وأصدقاؤه وجيرانه ومحبوه قبل عام كامل، مودعين إياه بدموع الغُصَّة واللوعة على فراق رجل عاش عمره بطيبة قلب متناهية، ودماثة خلق، محباً للجميع بلا إستثناء أو تفريق.

وقد أجمع كل من عرفوه وعاشوا معه طوال سنين عمره، على أنه عاش مبتسماً بنقاء قلب أبيض، وسار في دنيانا بهدوء من لم يؤذِ أحداً، ورحل عنها بذات الهدوء والسكينة.

وعلى الرغم من تقدم السنين، إلا أن الفقيد ظل يحتفظ بذاكرة متقدة، وتفاصيل دقيقة لا تنمحي، يستحضر بدقة لافتة محطات رحلاته أيام التشطير، ووقائع حرب المناطق الوسطى، وتلك التراخيص التي كانت تُفرض على المسافرين شمالاً وجنوباً، فقد عاصر المرحوم مخاضات الحركة الوطنية وتجارب الأحزاب منذ حروب الجبهة وحتى تحقُّق دولة الوحدة.

أما شغفهُ بالسياسة، وإهتمامه بالشأن العام، فلم يكن وليد لحظة عابرة، بل كان إمتداداً لتفاعل إجتماعي عميق، حيث جمع في شخصيته صفات الدبلوماسي، والإداري البارع، ورجل الدولة المحنك صاحب الرؤية الثاقبة والحكمة التي تلمس بَصمتها بوضوح في كل مواقفه.

يستحضر المهندس نبيل علي المنصور، جار الفقيد وابن منطقته، سيرة الراحل في الذكرى الأولى لرحيله قائلاً: “في الذكرى الأولى لرحيل العميد خالد، لا أخاف عليه مما هو مقبل عليه، فهو بين يدي رب كريم رحيم.. وإن كنا شهود الله في أرضه، فإني أشهد أني لم أرَ في حياتي أنقى سريرة منه.. إن خسارتنا فيه لا تُعوض، فقد افتقده الجميع وبكاه كل الرجال الأوفياء، وغابت برحيله مواقف الحق والعز التي كان فيها دائماً فارساً نبيلاً”.

ويضيف متأثراً: “أما أنا، فأسأل الله أن يربط على قلبي وأن يجمعنا وإياك في سعة رحمته ودار كرامته؛ إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا فندم خالد لمحزونون”.

من جانبه، يصف الدكتور أكرم يحيى الحاج الفقيد -رحمه الله- قائلاً: “لقد كان شعلة مضيئة، حَسَن الطباع والخلق، وتميز بالكرم والمروءة ورحابة الصدر.. لقد كان مثالاً لرجل السلام، ومحبوباً ما أكسبه إلتفاف الناس حوله، وكان عطوفاً حليماً ملماً بشؤون الحياة، وسلاحه الدائم الصدق والعدل والأمانة، ولذلك علا شأنه بين الناس واحترَموه وأحبوه”.

وفي السياق ذاته، يتحدث الشيخ علي حسين الغُولي عن مناقب الفقيد بالقول: “الفندم خالد -رحمه الله- رجل قريب إلى النفس، تميزت شخصيته بالهدوء في الطبع، والصدق في المعاملة، والإخلاص في العمل، ويشهد له الناس جميعاً بأنه رجل وطني غيور، همام شجاع يقول الحق ولا يخاف فيه لومة لائم. ومن أبرز خصاله أنه شخصية اجتماعية من الطراز الأول؛ لا يغيب عن الأفراح والأتراح، يعود المريض، ويودع المسافر، ويستقبل الآيب، ويكرم الضيف، ويعين على نوائب الزمان بما تيسر له، مسخراً نفسه لخدمة الآخرين بلا كلل أو ملل”.

أما الكابتن طيَّار معين عبدالكريم الغسَّالي، فيُلخص صفات الفقيد بالقول: “كان طيب القلب، نظيف السريرة، حَسَن النية، رجل بر وخير. لقد كان إسماً على مسمى، وقضى حياته في أعمال الخير والبناء، وإنخرط في العديد من الأعمال الخيرية واهباً سنين عمره لمساعدة الآخرين، وحتى عندما بدأ يصارع المرض، لم تبعده دهاليز الألم عن دروب الخير، فقد ظل يحن إلى مد الأيادي البيضاء.

رحم الله الفقيد العميد خالد صالح مِعيض، وأسكنه فسيح جناته، وتقبل صالح أعماله، وجعل ما عاناه في مرضه الأخير وتنقله بين المستشفيات في صنعاء والقاهرة شفيعاً له ليحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.. وخالص العزاء والمواساة للأهل والأصدقاء والجيران، وموصولة بالدعاء لزوجته الكريمة وأولاده الأعزاء.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر + ثمانية =