لماذا لا ننجح في الحياة مثلما ننجح في المدارس ؟*

 

المرصدنيوز/كتبه /أ.فاروق مريش

سؤال أوجهه لكل مهتم ومنشغل في مجال التربية والتعليم ، لكل معلم وأب وموجه ومشرف ومدير ومرشد ومشرف ومربي …

سأحاول هنا ذر القليل من الملح على الجرح ، والماء البارد على الجلد في هذا الصقيع ، لعلها آلام تحفز السائرين على درب التربية فتوقظنا من سبات طويل غرقنا فيه جميعاً ، ومع مرور السنوات اعتدنا المشهد وتبلدنا على التغافل عن الحقيقة ..

وغابت عنا فكرة فلسفة التربية وماهيتها في الظل التسارع التكنولوجي الكبير وانهماكنا في وسطه ..

منهجنا الإسلامي وهدي رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم يحثنا على ممارسة التربية التطبيقية وتنشئة الجيل على أساس من المزج بين المعرفة والمهارة : *” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة “* .

وهذه مقولة شهيرة للحكيم الصيني كونفوشيوس وهو صاحب أول مدرسة خاصة في الصين ولكنها كانت لأبناء الشعب حيث كانت المدارس الرسمية لطبقة النبلاء فقط .

*إذا أردت سماع أصوات الطيور، لا تشتري أقفاصًا بل اغرس أشجارًا .*

هل مدارسنا الخاصة ومناهجنا ومعلمونا اليوم يغرسون أشجاراً ، أم يصنعون أقفاصاً ؟!

إن كل اهتمامنا وجهدنا مع الطالب أو التلميذ ينصب في تلقين المعلومة وجهودنا تندرج باتجاه التذكر وليس المهارة ، والإجبارية لا تنمية الذاتية ، والإكراه لا الحب ، والامتحان النظري لا التطبيق العملي ، والخوف من المربي دون استشعار رقابة الله عز وجل ..

جهود جبارة ومضنية يبذلها الجميع ولا تصب في ( تغيير السلوك ) الذي هو جوهر العملية التعليمية والتربوية ، والمُعبَّر عنها بالهدف السلوكي وقدرته على تحقيق المراد منه .

أين موقعنا من الهدف السلوكي بكل أهدافه المعرفية والمهارية والوجدانية ؟
أين نحن من ضمير المعلم والمربي الذي يستشعر لكل سلوك صادر من طلابه ..

شعارات كبيرة عن النظافة والفصول والباحات والشوارع متسخة ..
أنشطة مكلفة ومنهكة حول مكانة الوالدين والعقوق بكل حارة وبيت ، نصائح وثواب وعقاب لا محدود عن الإنضباط والمتأخرين والمخالفين في تزايد ، حل تمارين ومسائل ونماذج متنوعة والرياضيات تزداد تعقيداً ، إذاعات ودروس وقصائد وبرامج مطولة عن حب الوطن والشعب مقبل على الغربة والهجرة وبدون وجهة محددة ..

في ظل هذه المعطيات ، نجد أنفسنا أمام مسؤولية كبيرة تستدعي إعادة النظر في أسلوبنا التربوي المعتمد على الإلقاء والتلقين ، يجب أن نركز على بناء العقول والنفوس ، وليس مجرد تلقين المعلومات بطريقة روتينية .
لنتعلم أن نزرع الأشجار بدلاً من بناء الأقفاص ، وأن نخلق بيئة تعليمية تزدهر فيها وسائل الإبداع والتفكير النقدي بدلاً من التلقين الأعمى.

تشجيع الطلاب على السؤال ومشاركتهم شغفهم ، قد تساهم في بناء جيل واعٍ ومُلمّ بالقيم الحقيقية ، نحتاج إلى تغيير جذري في مقاربتنا وفهمنا لمعنى التربية والتعليم ، و أن نركز على تنمية المهارات الحياتية ، وتعزيز حب التعلم والاستطلاع والبحث والفضول المعرفي ، وطرق التفكير ومعاملتهم بحسب فروقهم الفردية وذكاءاتهم المتعددة ..

يقول ابن خلدون معززاً مفهوم المهارات التي يحدثها المعلم : ” أهم ما يلزم المعلم فتق اللسان بالمحاورة والعمل على تحصيل الملكة التي هي صناعة التعليم “.
تستوقفني ولية أمر في المدرسة وتقول في لقاء تشاوري جمعنا بأولياء الأمور :
*” أخبرني ابني الذي يدرس بكلية الهندسة ، أنه لو عاد به الزمن لحاول أن يفهم كل درس في الرياضيات لارتباطه بالتخصص “.*
إذاً هل بدأت ملامح الهوة تظهر بهذا المثل الذي سقته على لسان ولية الأمر !

التغيير السلوكي يتطلب أن نكون قدوة صالحة لهم بكل سلوكياتنا ، ونزرع في قلوبهم حب العلم والإبداع والتفكير خارج نطاق المألوف وبما يخدمهم في حياتهم .

وإذا كنا نريد أن نبني مجتمعاً قوياً ومزدهراً ، فعلينا أن نبدأ من الفصل الدراسي من التعليم من المهارات الحياتية والتطبيق ، من القيم .

…. يتبع

في مقال قادم إن شاء الله سأسلط الضوء بشكل مركز حول المرض والنقطة الأهم ذات التأثير الأبرز في توسيع أو ردم هذه الفجوة ، هوة كبيرة بين مهارات الحياة وواقع مخرجاتنا الضعيفة التي لا تلبي طموح وتطلعات المجتمع .

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − ثلاثة =