المرصدنيوز _تقرير شامل: متابعات عبد الغني اليوسفي
تاريخ التقرير: 16 يوليو 2026
—
المقدمة: أزمة فوق أزمة
شهدت محافظة إب، المعروفة بـ”اليمن الصغرى” لكثافتها السكانية، ارتفاعاً مقلقاً في أعداد الإصابات بالأورام السرطانية بنسبة تجاوزت 50% خلال السنوات الماضية، وسط تحذيرات رسمية وأكاديمية من تداعيات كارثية تطال الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والشباب. وفي الوقت الذي تناضل فيه المحافظة لإنقاذ سكانها من وباء الأورام الخبيثة، تظل ملفات التلوث البيئي وتلوث مياه الشرب والتربة في طي النسيان، رغم تحذيرات أكاديمية وخبيرة مبكرة تعود إلى عام 2019، وما زالت تدق ناقوس الخطر حتى اليوم، في ظل انهيار شبه كلي للبنية التحتية الصحية وانتشار ممارسات بيئية خطيرة.
—
أولاً: القفزة التاريخية في الإصابات السرطانية
كشف مدير فرع مؤسسة مكافحة السرطان في إب، الدكتور بليغ الطويل، عن تزايد ملحوظ في أعداد المصابين، مشيراً إلى أن الحالات في المناطق الريفية قفزت بنسبة تتراوح بين 40% و50% مقارنة بالفترة التي سبقت عام 2015. وأوضح أن العدد التراكمي للحالات المسجلة لدى المؤسسة حتى يناير 2026 بلغ 7,780 حالة، بمعدل تسجيل يومي يتراوح بين 70 و80 حالة جديدة.
أنواع السرطان والفئات الأكثر عرضة
بحسب إحصائيات عامي 2024 و2025، يتصدر سرطان الثدي قائمة الأمراض المنتشرة في المحافظة بنسبة تتراوح بين 25 و30%، وتُشخص غالبية الإصابات بين النساء (60%) في مراحل متأخرة. ويأتي ثانياً سرطان الدم (اللوكيميا) بنسبة تتراوح بين 15 و20%، ليداهم الأطفال والبالغين على حد سواء، تليه أورام الجهاز الهضمي والغدة الدرقية والرئة.
—
ثانياً: مياه الصرف الصحي – قنبلة موقوتة في قلب الحوض المائي
تُعد مياه الصرف الصحي غير المعالجة المصدر الأبرز والأخطر لتلوث الأحواض المائية في محافظة إب. فقد حذرت دراسات سابقة أعدها كل من رئيس قسم البيئة بجامعة إب، الأستاذ الدكتور علي مياس، ونائب رئيس الجامعة، الأستاذ الدكتور أحمد أبو لحوم، من أن هذه “المياه السوداء” المحملة بالبكتيريا والطفيليات والفيروسات، تتحول إلى بؤر وبائية تهدد حياة الملايين، خاصة مع تدفق مياه المجاري باتجاه الحوض المائي الرئيسي في منطقة ميتم.
وأكدت هذه الدراسات، التي نُشرت في صحيفة 26 سبتمبر العدد (2027) الصادر في 6 مارس 2019م، أن الوضع تجاوز حدود الإنذار المبكر إلى مرحلة الخطر الوشيك، حيث أصبحت مياه الشرب مهددة بالتحول إلى سموم فتاكة نتيجة التلوث المتسرب إلى الخزان الجوفي.
—
ثالثاً: عوامل بيئية متشابكة وممارسات خطيرة
1. المبيدات والسموم المهربة
أرجعت المؤسسة هذا الارتفاع الحاد إلى كارثة بيئية وصحية تتمثل في الاستخدام العشوائي والمفرط للمبيدات والسموم الزراعية المحظورة دولياً، وري المزارع بمياه الصرف الصحي في كثير من المديريات، وتزايد التلوث في الآبار والمياه الجوفية في مناطق إب، ميتم، يريم، نخلان، ضباء وغيرها.
2. مشاريع “كارثية” بملايين الريالات
في مفارقة مأساوية، تحولت بعض المشاريع التي أنشئت بهدف تغذية المياه الجوفية إلى مستنقعات وبؤر تلوث عوضاً عن أن تكون حلولاً. كشف التحقيق عن تحول مشاريع “كريف البحوث” و”سوائل جبلة” إلى منابع خطيرة للتلوث، حيث أصبحت تجمع مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمياه الملوثة القادمة من مناطق غير مربوطة بشبكات الصرف، مما جعلها مصدراً رئيسياً لتسرب الملوثات إلى الطبقات الجوفية. وهو ما أكدته مذكرة رسمية لمحافظ المحافظة آنذاك، والتي شددت على ضرورة المعالجة الفورية لهذه المشاريع التي تحولت إلى قنابل بيئية موقوتة.
3. الزحف العمراني والتلوث
لا يتوقف الخطر عند حدود تلوث المياه، بل يمتد ليشمل التربة التي تتعرض للتلوث عبر تسرب الملوثات، جنباً إلى جنب مع الزحف العمراني العشوائي الذي يحول الأودية ومناطق تغذية الأحواض المائية إلى أسطح صلبة، مما يمنع تسرب مياه الأمطار ويحد من قدرتها على تجديد الخزان الجوفي. هذه المعطيات كانت محور تحذيرات أكاديمية متكررة، أكدت فيها أن المنطقة أصبحت تفقد قدرتها الطبيعية على التنقية الذاتية.
4. الحفر العشوائي والنفوذ
إلى جانب التلوث، يعاني الحوض المائي في إب من استنزاف ممنهج بسبب الحفر العشوائي للآبار، ومنح التصاريح لذوي النفوذ، والضخ الجائر لري القات، وهو ما وصفه خبراء البيئة بـ”نهب الثروة المائية” لصالح مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة. هذه الممارسات، إضافة إلى ضعف الرقابة وتداخل مهام الجهات المختصة، تخلق بيئة خصبة لتفاقم الأزمة، وتهدد بجفاف الآبار وتحويل ما تبقى منها إلى مياه ملوثة بالمعادن الثقيلة والسموم العضوية.
—
رابعاً: السرطان والتلوث – خيط نازف يربط الأزمات
حذر الدكتور الطويل من ظهور أنواع جديدة من الأورام المرتبطة مباشرة بالتلوث البيئي، مما يشكل ضغطاً حاداً على مركز العلاج الوحيد في المحافظة. فمع استمرار تلوث المياه والتربة بالمبيدات السامة ومياه الصرف الصحي، تترسخ حلقة مفرغة من الأمراض المزمنة، تضع المحافظة أمام اختبار وجودي حقيقي يتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً.
الوصمة المجتمعية والتكاليف الباهظة
إلى جانب المعاناة الصحية، تعاني فئة كبيرة من المرضى القادمين من الأرياف من “الوصمة المجتمعية” وتكاليف التنقل والإيواء، ما يؤخر تشخيصهم ويقلل فرص الشفاء.
—
خامساً: الصعوبات والتحديات الجسيمة في العلاج
تعكس تصريحات الدكتور الطويل واقعاً صحياً مأساوياً في المحافظة، حيث تفتقر إب تماماً لخدمات العلاج الإشعاعي أو الجراحي للأورام، وهي خدمات محصورة حالياً في العاصمة صنعاء. ويعاني المركز من نقص حاد في أجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي وبنك الدم، إلى جانب عجز في الكوادر الطبية المتخصصة كأطباء الأورام والباثولوجيا، واعتماد شبه كلي على التبرعات الموسمية مما يهدد استدامة الخدمة المجانية المقدمة.
—
سادساً: نداء عاجل وآفاق مستقبلية
دعوات متجددة للتدخل
أمام هذا المشهد الكارثي، تتجدد الدعوات التي أطلقها أكاديميون وخبراء منذ عام 2019، والتي ما زالت تنتظر الترجمة إلى إجراءات فعلية على الأرض. حذر الدكتور الطويل من أن استمرار المؤشرات الحالية دون تدخل “جاد ومنقذ” سيؤدي إلى تصاعد حالات الوفيات، داعياً إلى إطلاق برامج نقل مجانية تربط الريف بالمركز، والتوسع في وحدات الإيواء، وتقديم مساعدات مالية طارئة للمرضى الفقراء.
تحذير دولي
وتأتي هذه المعاناة في وقت حذرت فيه منظمة الصحة العالمية من أن عدد حالات السرطان الجديدة قد يرتفع إلى 35 مليون حالة سنوياً بحلول 2050 ما لم تتخذ إجراءات عاجلة، مع تفاوت كبير في فرص البقاء على قيد الحياة بين الدول الغنية والفقيرة.
—
الخلاصة
إن استمرار تجاهل هذه التحذيرات، وإهمال معالجة مياه الصرف الصحي، ووقف الفوضى في الحفر والبناء، سيجعل من كارثة السرطان الحالية مجرد مقدمة لكوارث أكبر، قد لا تقدر أي مؤسسة على مواجهتها. فالمشكلة لم تعد تقتصر على شح المياه أو تلوثها فحسب، بل أصبحت أزمة متشابكة الأبعاد: بيئية، صحية، اقتصادية، وإنسانية، تهدد حاضر ومستقبل محافظة إب وسكانها.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد