شذارات استراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
المرصدنيوز/كتب / مصطفى بن خالد
21 سبتمبر 2023
الوطن الذي يُقسَّم إلى حصص ينتهي غنيمة
الشرعية والمحاصصة والأقليات في اليمن
ليست مشكلة اليمن في تنوع مذاهبه ومناطقه وقبائله ومكوناته؛ فالتنوع حقيقة تاريخية وثروة اجتماعية. المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التنوع إلى خريطة لتوزيع الدولة: وزارة لهذا الحزب، وسفارة لتلك الجماعة، ومنصب لهذه المنطقة، ومؤسسة لذلك النافذ.
عندها لا تعود الدولة عقداً بين مواطنين متساوين، بل تصبح شركة حصص سياسية.
وهنا يقع اليمن بين خطرين: محاصصة تفتت الدولة باسم الشراكة، وأغلبية عددية قد تقصي المكونات الأصغر باسم الديمقراطية.
والخروج من المأزق يحتاج إلى معادلة واضحة:
الأغلبية تحكم، والأقلية تشارك، والكفاءة تختار، والدستور يحمي الجميع.
الشرعية ليست اعترافاً خارجياً فقط
الشرعية ليست صفة أبدية يمنحها منصب أو اعتراف دولي؛ إنها قدرة السلطة على تحويل القانون إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى خدمة وعدالة وأمن ومساءلة.
فالاعتراف الدولي مهم، لكنه لا يعوض غياب الدولة في الداخل.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يعترف بمن؟ بل: من يستطيع بناء دولة يحتكم إليها اليمنيون جميعاً؟
وحين تحول الشرعية اليمنية في الرياض نفسها إلى مظلة لتقاسم الوزارات والسفارات والمؤسسات، فإنها تبدأ باستهلاك معناها بدلاً من تعزيزه.
المحاصصة.. حين تصبح الدولة غنيمة
قد يكون إشراك القوى المختلفة ضرورة انتقالية لمنع الإقصاء أو إنهاء الحرب، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى نظام دائم.
فبدلاً من السؤال: من هو الأكفأ؟
يصبح السؤال: لمن هذا المنصب؟
وهنا تتغير طبيعة الدولة كلها.
فالوزارة ليست غنيمة، والسفارة ليست مكافأة، والجيش ليس حصة، والقضاء ليس ميداناً لتوازن القوى، والوظيفة العامة ليست إرثاً حزبياً أو عائلياً.
المحاصصة لا توزع السلطة فقط؛ إنها توزع الولاءات داخل مؤسسات الدولة، ثم تجعل كل محاولة إصلاح اعتداءً على حصة طرف ما.
والأخطر أنها تكافئ الانقسام: فإذا كانت صفة المكون طريقاً إلى المناصب، ستنشأ مكونات جديدة تطالب بنصيبها، حتى يتحول الوطن من مجتمع سياسي واحد إلى اتحاد غنائم متنافسة.
الديمقراطية ليست ديكتاتورية العدد
لكن رفض المحاصصة لا يعني ترك الأقليات والمكونات الأقل عدداً لمعادلة الصندوق وحدها.
فالأقلية قد تشارك في انتخابات حرة ونزيهة، لكنها تظل بحكم وزنها الديموغرافي عاجزة عن الوصول إلى تمثيل مؤثر.
وإذا احتكرت الأغلبية البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة لمجرد تفوقها العددي، نكون قد استبدلنا ظلم المحاصصة بظلم الأكثرية.
لذلك فإن المشاركة السياسية للأقليات حق وضمانة دستورية، وليست منحة من الأغلبية.
وهنا يجب الفصل بين محاصصة الغنيمة التي تمنح الأحزاب والزعامات أجزاء من الدولة، كما هو حاصل اليوم في منظومة الشرعية، والتمثيل الضامن الذي يمنع اختفاء المكونات الأقل عدداً من مؤسسات صنع القرار.
الأولى يفتت الدولة.
والثاني يحمي وحدتها.
ومن هنا ينبغي أن يضمن النظام السياسي تمثيلاً عادلاً للمكونات الأقل عدداً في البرلمان والحكومة والسلك الدبلوماسي ومؤسسات الدولة، وفق قواعد مخرجات الحوار الوطني الشامل والتي تؤكد على المشاركة السياسية الكاملة وتمنع الإقصاء دون أن تنشئ طوائف سياسية مغلقة.
فالتمثيل العادل لا يعني تعيين غير المؤهل، كما أن الكفاءة لا يجوز استخدامها ذريعة لإدامة احتكار الأكثرية.
التمثيل العادل ليس محاصصة
ينطبق المبدأ نفسه على المحافظات.
من حق أبناء عدن وحضرموت والمهرة وتعز ومأرب وصعدة والحديدة وصنعاء وأبين والمهرة وسوقطرة وحضرموت وسائر المحافظات أن يشعروا بأن الدولة دولتهم، وأن يكون لهم حضور عادل في مؤسساتها.
لكن الإنصاف لا يعني توزيع اليمن إلى إقطاعيات سياسية.
الحل هو دولة واحدة ذات إدارة محلية واسعة الصلاحيات، تدير فيها المجتمعات شؤونها عبر مؤسسات منتخبة، بينما تبقى السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والعملة والثروة والمؤسسات السيادية للدولة الوطنية.
وبذلك يسقط الخيار الزائف بين المركزية الخانقة والانفصال.
من المبادئ إلى المؤسسات: كيف نمنع المحاصصة والإقصاء معاً؟
المشكلة اليمنية لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر حاجتها إلى هندسة مؤسسية تجعل العدالة قابلة للتنفيذ.
وأول هذه الضمانات هو نظام انتخابي مختلط يجمع بين الدوائر المحلية والتمثيل النسبي، بما يسمح بتمثيل القوى الاجتماعية والسياسية الأقل عدداً بدل أن يبتلعها منطق الأغلبية في الدوائر التقليدية.
وثانيها، إيجاد ضمان دستوري لتمثيل المكونات الصغيرة في البرلمان خلال المراحل الانتقالية وما يلزم بعدها وفق القانون، مع مراجعة دورية لهذه الضمانات حتى لا تتحول إلى حصص أبدية.
وثالثها، إنشاء مفوضية وطنية مستقلة للمساواة ومنع التمييز، تتلقى شكاوى الإقصاء المذهبي والمناطقي والسلالي والديني والسياسي، وتملك صلاحية التحقيق والإحالة إلى القضاء.
أما الوظيفة العامة، فيجب إخراجها من سوق السياسة عبر مجلس مستقل للخدمة العامة والتعيينات العليا، يعلن الوظائف القيادية، ويضع معاييرها، ويفحص المرشحين، وينشر أسباب الاختيار؛ بحيث لا يستطيع الوزير أو الحزب تحويل مؤسسة الدولة إلى دائرة توظيف لأتباعه.
وفي السلك الدبلوماسي، ينبغي اعتماد مسار مهني واضح وامتحانات ومعايير معلنة، مع ضمان تكافؤ الفرص والتمثيل الوطني، حتى تعكس الخارجية وجه اليمن المتنوع من دون التضحية بالكفاءة.
كما يحتاج اليمن إلى لامركزية مالية وإدارية حقيقية تمنح السلطات المحلية المنتخبة صلاحيات واضحة وموارد معلومة بالقانون، مع آلية وطنية عادلة لتوزيع الإيرادات بين المركز والمحافظات، حتى لا تتحول الثروة أو الجغرافيا إلى سبب دائم للصراع.
أما الجيش والأمن والقضاء، فيجب تحصينها دستورياً من المحاصصة الحزبية والمذهبية والمناطقية؛ فهذه مؤسسات سيادة، وأي تقسيم لها هو تقسيم للدولة نفسها.
وأخيراً، لا قيمة لكل هذه الضمانات من دون محكمة دستورية مستقلة يستطيع المواطن والمكونات والمؤسسات اللجوء إليها عندما تنتهك قواعد المساواة أو تتغول الأغلبية أو تتجاوز السلطة حدودها.
هذه ليست حصصاً جديدة.
إنها قواعد تمنع الحاجة إلى الحصص أصلاً.
الجمهورية التي نريدها
اليمن لا يحتاج إلى إعادة توزيع الكعكة بين اللاعبين أنفسهم، بل إلى تغيير قواعد اللعبة.
فالتسويات التي تفرضها الحرب يجب أن تكون جسراً إلى المؤسسات والانتخابات، لا نظاماً دائماً لإدارة الغنائم.
والمعركة الحقيقية ليست بين شمال وجنوب، وشرق وغرب، ولا بين أغلبية وأقلية، ولا بين مذهب وآخر.
إنها بين مشروعين:
مشروع يرى اليمن حصصاً تتقاسمها القوى.
ومشروع يرى اليمن جمهورية مواطنين؛ لا تستأثر فيها الأغلبية، ولا تُقصى الأقلية، ولا تُشترى الولاءات بالمناصب.
والجمهورية التي تستحق البقاء لا تسأل المتقدم إلى المسؤولية: من طائفتك؟ ومن قبيلتك؟ ومن حزبك؟ ومن شيخك؟
بل تسأله:
ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع أن تقدم؟ وهل أنت أهل للمسؤولية؟
وفي الوقت نفسه، لا تسمح لقوة العدد بأن تمحو من هم أقل عدداً.
المواطنة أولاً
يمكن اختصار فلسفة اليمن الذي نريده في معادلة واحدة: أغلبية تحكم بلا استئثار، وأقلية تشارك بلا محاصصة، وكفاءة تتقدم بلا تمييز، ودستور يقف فوق الجميع.
وهذه المعادلة لا تتحقق بالنوايا، بل بنظام انتخابي عادل، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية، وخدمة عامة مهنية، وإدارة محلية حقيقية، وضمانات دستورية للمشاركة.
عندها فقط ننتقل من شرعية تقاسم النفوذ إلى شرعية الدولة، ومن تمثيل الزعماء إلى تمثيل المواطنين، ومن إدارة الانقسام إلى إدارة التنوع.
فالوطن الذي يُقسَّم إلى حصص ينتهي غنيمة؛ والوطن الذي تُقصى فيه الأقلية يصبح ملكاً للأكثرية؛ أما الوطن الذي يضمن المشاركة ويحتكم إلى الكفاءة والقانون، فهو وحده الذي يصبح دولة، وما عدا ذلك، يظل، بالمعنى السياسي والمؤسسي، في حكم اللادولة.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد