المرصد نيوز/كتب : عبدالسلام منصور عواض
لا تمثل الأمسيات الرمضانية في الوجدان الإسلامي مجرد طقوس اجتماعية، بل يمكن أن تتحول — إذا أحسن توظيفها — إلى منصات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. وفي هذا السياق، تبرز تجربة المفكر اليمني الأستاذ أحمد عبدالواحد عبدالودود الشرعبي بوصفها نموذجًا لمحاولة توظيف الموسم الروحي في بناء رؤية سياسية وأخلاقية متكاملة.
الوعي بوصفه مدخلًا للتغيير
خلال العقدين الأول والثاني من الألفية الثالثة، قدّم الشرعبي خطابًا فكريًا يمكن وصفه بأنه خطاب “وقائي استشرافي”، قائم على قراءة مبكرة لمآلات المشهد اليمني. لم يكن خطابه تعبويًا، بل اعتمد على التحليل السياسي، واستحضار التجارب التاريخية، وربطها بالواقع المحلي.
وفي أعقاب الانتخابات الرئاسية والمحلية عام 2006م، طرح رؤية إصلاحية شاملة لمعالجة اختلالات الدولة، مستندًا إلى مفاهيم الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، وكفالة الحقوق والحريات. إلا أن هذه الرؤية — كما يحدث غالبًا مع المشاريع الإصلاحية المبكرة — لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
من الفكرة إلى التنظيم .
إدراكًا منه بأن الفكرة غير المؤطرة تنظيميًا تظل محدودة التأثير، بادر إلى تأسيس كيان سياسي حمل اسم “الحركة الديمقراطية للتغيير والبناء”، سعيًا لنقل الخطاب من مستوى التنظير إلى مستوى الفعل السياسي المنظم.
كان جوهر المشروع قائمًا على:
ترسيخ ثقافة التغيير السلمي.
إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تقديم خطاب عقلاني بعيد عن الاستقطاب.
التركيز على بناء الإنسان قبل إعادة تشكيل السلطة.
قراءة التاريخ كأداة تحليل سياسي .
تميّزت أمسياته الرمضانية بمنهج تحليلي يعتمد على إسقاطات تاريخية مدروسة. فحديثه عن سقوط الأندلس لم يكن سردًا للمأساة بقدر ما كان تحليلًا لنتائج الانقسام الداخلي. واستدعاؤه لرمزية حصان طروادة جاء في سياق التحذير من الاختراق الناعم الذي يبدأ من الداخل قبل الخارج.
كما تناول أثر الدعاية النازية وأثرها في الحرب العالمية الثانية وكيف انها قادت المجتمع المتحضر الى الكارثة بواسطة الخطاب العاطفي وصناعة العدو الوهمي بواسطة الاعلام منوها في ذلك أن من يسيطر على العاطفة يستطيع السيطرة على القرار السياسي
مستشهدا ومسترشدا بدروس التاريخ التي يعتبرها مختبرًا سياسيًا لا أرشيفًا سرديًا.
الدين كمرجعية أخلاقية لا أداة استقطاب .
في تناوله لسيرة صلى الله عليه وسلم، لم يكن الهدف وعظيًا صرفًا، بل قياديًا؛ حيث ركّز على دروس إدارة التغيير، وبناء الجماعة، وصناعة التحول الاجتماعي في بيئة معقدة. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات خطابه: الجمع بين المرجعية الدينية والتحليل الواقعي دون تناقض أو توظيف انتقائي ودونما محاولة إستقطاب حزبي ودون تطفل أو وصاية على الفكر.
الإعلام وصناعة القرار .
من أبرز مرتكزات خطابه التأكيد على أن من يسيطر على العاطفة يقترب من السيطرة على القرار السياسي. هذه الفكرة، وإن بدت بديهية، إلا أن إسقاطها على الواقع اليمني آنذاك كان يحمل تحذيرًا مبكرًا من خطورة الانزلاق نحو الاستقطاب الإعلامي الحاد.
لماذا لم تُلتقط اللحظة؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا غالبًا ما تُهمل المبادرات الإصلاحية المبكرة في السياقات السياسية الهشة؟
الإجابة تكمن — على الأرجح — في تعارض الرؤية الإصلاحية مع مصالح مراكز القوى، وفي ضعف الثقافة المؤسسية التي تستوعب النقد البنّاء بوصفه فرصة لا تهديدًا.
خلاصة تحليلية.
يمكن القول إن تجربة أحمد الشرعبي تمثل محاولة مبكرة لدمج ثلاثة مسارات في مشروع واحد:
الإصلاح السياسي المؤسسي.
إعادة بناء الوعي الجمعي.
توظيف الموسم الديني كمساحة لإعادة صياغة الخطاب العام.
وإذا كانت الظروف لم تسمح آنذاك بتطبيق كامل المشروع، فإن القيمة الحقيقية لأي مشروع فكري لا تقاس فقط بنتائجه الآنية، بل بقدرته على البقاء كمرجعية قابلة للاستدعاء في لحظات التحول.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة الكبرى حول الدولة والهوية والاستقرار، تبقى مثل هذه التجارب جديرة بإعادة القراءة — لا بوصفها سردًا شخصيًا، بل بوصفها مادة للتحليل السياسي واستشراف المستقبل.
وختامًا، فإن رمضان — حين يُستثمر كمساحة لبناء الوعي — قد يتحول من موسم تعبدي إلى موسم تأسيسي، ومن زمنٍ للذكر إلى زمنٍ للفكرة.
المرصد نيوز بوابتك المفتوحة لمعرفة كل جديد