بين شرعية بلا فعل… وفعل بلا شرعية (3-2)

 

شذرات إستراتيجية
بسم الله الرحمن الرحيم
مـــصـــطــفـــى بن خالد

بين شرعية بلا فعل… وفعل بلا شرعية
(3-2)

من تآكل القرار إلى انكماش السيادة: قراءة في أزمة الشرعية اليمنية

مقدمة:

لم تعد الأزمة اليمنية مجرد صراع متعدد الأطراف، بل تحوّلت إلى اختبار عميق لقدرة “الشرعية” على الاستمرار كفاعل سيادي.
ولم يعد النقاش يدور حول “من يملك الصفة”، بل حول من يملك القدرة على ممارسة القرار وحماية السيادة.

أولاً: السيادة بين النص والممارسة

في الأدبيات السياسية، تُعرَّف السيادة بأنها القدرة الفعلية على:
• اتخاذ القرار
• تطبيقه
•حمايته

لكن في الحالة اليمنية يظهر انفصال واضح بين السيادة كنص قانوني، والسيادة كممارسة واقعية.
فبينما تستمر المؤسسات في التحدث باسم الدولة، تُدار ملفات أساسية—عسكرية وأمنية وسياسية—في مساحات تتجاوزها أو بمعزل عنها.

وهنا يبرز السؤال الجوهري:
هل ما زالت السيادة تُمارس من داخل الدولة، أم أصبحت موزعة بين أطراف متعددة؟

ثانياً: أزمة القرار السياسي

تعكس الوقائع نمطاً متكرراً من:
• تأخر في اتخاذ القرار
• غياب عن اللحظات الحاسمة
• تعدد مراكز التأثير داخل البنية الرسمية

هذا النمط لا يُنتج فراغاً فقط، بل يُعيد تشكيل موازين القوة، حيث تتقدم الأطراف الأكثر قدرة على الحضور والتفاوض وفرض الوقائع، في ظل مركز قرار غير متماسك.

ثالثاً: الارتهان للخارج وتدويل القرار

إلى جانب تآكل القرار داخلياً، يبرز عامل أكثر حساسية:
تزايد اعتماد إدارة الملفات السيادية على ترتيبات تُدار خارج الحدود.

لا يتعلق الأمر بالتنسيق الإقليمي الطبيعي، بل بنمط تتداخل فيه:
• أولويات الفاعلين الخارجيين
• مسارات التفاوض الدولية
• آليات التمويل والدعم

بما يجعل القرار المحلي رهيناً لمعادلات خارجية، أو مؤجلاً بانتظار توافقات لا تُصنع في الداخل.

هذا النمط لا يُنقص فقط من استقلالية القرار،
بل يُضعف القدرة على:
• تحديد الأولويات الوطنية
• ضبط إيقاع التفاوض
• بناء شرعية قائمة على الفعل الداخلي

والنتيجة هي سيادة مُعلَنة، وقرار مُشروط.

رابعاً: إشكالية الحوكمة والشفافية

تواجه أي سلطة في ظروف النزاع اختباراً في قدرتها على الحفاظ على:
• الحد الأدنى من الشفافية
• الانضباط المالي
• كفاءة إدارة الموارد

وفي الحالة اليمنية، تبرز مؤشرات مقلقة تتعلق بـ:
• ضعف آليات الرقابة
• تراجع المساءلة المؤسسية
• تضخم النفقات مقابل محدودية الأثر الخدمي

هذه المؤشرات تتطلب معالجة بنيوية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

خامساً: أثر التآكل المؤسسي على المجتمع

ينعكس هذا الخلل مباشرة على حياة المواطنين:
• تأخر الرواتب أو انقطاعها
• تراجع الخدمات الأساسية
• ضعف الاستجابة للأزمات

وهنا يتحول النقاش من “أداء سياسي” إلى أزمة ثقة مجتمعية.

سادساً: إعادة تعريف الفاعلية السياسية

في السياقات الهشة، لا يُقاس الفاعل بصفته، بل بقدرته على:
• التأثير في مجريات الأحداث
• الحضور في مساحات التفاوض
• إنتاج نتائج ملموسة

ومن يملأ الفراغ يتحول تدريجياً إلى فاعل معترف به بحكم الواقع.

سابعاً: المخاطر الاستراتيجية

استمرار هذا المسار ينطوي على مخاطر جوهرية:
1- تآكل الموقع التمثيلي في أي تسوية قادمة
2- انتقال مركز القرار إلى خارج المؤسسات الرسمية
3- ترسيخ نموذج إدارة غير مؤسسي للدولة
4- تعميق الارتهان للخارج على حساب الاستقلال الوطني
5- صعوبة استعادة السيطرة على الملفات السيادية مستقبلاً

الخلاصة:

الأزمة لم تعد في تعدد الأطراف،
بل في تراجع قدرة الدولة على أن تكون الطرف الحاسم.

فالسيادة لا تُصان بالخطاب، والقرار لا يُحمى بالانتظار، والشرعية لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تستطيع فعله حين تُختبر.

كلمة أخيرة

في السياسة، الفراغ لا يدوم، والغياب لا يُكافأ، والقرار الذي لا يُصنع في الداخل يُعاد تشكيله في الخارج.

والتاريخ لا يُكتب بأسماء من يملكون الصفة، بل بأسماء من امتلكوا القدرة على الفعل.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 11 =