ماذا يعني أحياء مشروع خط سكة حديد الحجاز اليوم:

بقلم:
د. بكيل محمد الكليبي.
نعيش اليوم على واقع جديد يتشكل بعد أن بدأت قيود وأغلال سايكس بيكوا تتحطم في المنطقة على واقع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، فما كان بالأمس القريب مستحيل أصبح اليوم مباحاً والجديد القديم الذي بدا يأخذ زخماً هو أحياء خط سكة حديد الحجاز المشروع الذي حاول من خلاله السلطان العثماني عبدالحميد الثاني عام ١٩٠٠م حتى افتتاحه رسمياً عام ١٩٠٨م، اعادة ربط العلاقات العربية العثمانية بأسلوب جديد لدمج المسار بين العرب والاتراك ليكون أكثر تمازج وتعاضد عبر مشروع الربط السككي يربط الدولة العثمانية بأطرافها العربية، بدءاً بالحجاز وانتهاء بولاية اليمن، التي بدأ العثمانيين بتجهيز سكة حديد تربط الحديدة بصنعاء، أولاً ثم ربط الحديدة بسكة الحجاز ثانياً، ورغم ضخامة المشروع ودوره في منح الدولة العثمانية طاقة تجديد وحيوية لم يكتب لهذا المشروع النور، إذ جندت بريطانيا بقيادة العقيد لورنس قبائل البدو العربية في شمال الحجاز لتفجير خط سكك حديد الحجاز الذي وصل بصورة فعلية إلى المدينة المنورة، وسهل عملية نقل الحجاج بين الشام والحجاز، وكان غرض تفجير هذا الخط لقطع الطريق أمام الجيش العثماني من استغلال القطار لنقل الجنود العثمانيين إلى الحجاز، واليمن لتدعيم قوتهم في مواجهة البريطانيين، فقامت الأخيرة وبمساعدة القبائل العربية بإنهاء المشروع إلى الأبد.
أن الحديث اليوم عن أعادة احياء مشروع سكة حديد الحجاز كمشروع حيوي يربط تركيا بسوريا مع الاردن، ثم المملكة العربية السعودية، وانتهاء بعمان، من شأنه أن يعيد حالة التكامل الاقتصادي إلى المنطقة بعد مرور أكثر من قرن مضى على حالة التيه الذي تعيشه بفضل تعدد المشاريع والاتجاهات، وانعدام أي طموح من شأنه البناء على الارث الذي ترك دون معالجة، أو أعادة أحياء مشروع الربط، بين الدول العربية وتركيا، نتيجة عدم وجود رغبة لدى أوروبا التي تتملكها مخاوف كبيرة من إعادة إحياء أي تكامل بين العرب والأتراك من شأنه أن يهدد مصالحهم في المنطقة، وعلى رأس ذلك مخاوف إسرائيل من هذا الربط السككي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ما لذي استجد اليوم ليكون هذا المشروع محل ترحيب القوى التي شاركت في تدميره وانهائه قبل قرن من اليوم؟
والمستجد اليوم أن لغة المصالح المشتركة سادت اليوم على المخاوف، لاسيما مع ظهور أزمة مضيق هرمز أمام تجارة النفط، الذي قاد إلى أزمة عالمية في حجم الامدادات النفطية في الأسواق العالمية، وكانت أوروبا التي ساهمت في وضع فيتوا على إحياء مشروع سكك حديد الحجاز، أكثر تضرراً من أي وقت مضى من أزمة اغلاق مضيق هرمز، فبريطانيا الدولة الأوروبية التي دمرت المشروع منذ بدايته، ومنعت أي خطوة من شأنها أعادة احيائه لا تمانع من اعادة احياء المشروع الحيوي ليكون جزء من مشروع طويل يربط دول الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا ليكون طريق جديد وبديل وأمن بعيداً عن الأزمات التي تهب بين الحين والأخر، في الممرات المائية الحيوية وما يترتب عليها من خلق أزمات كبيرة في تدفق الطاقة إلى الأسواق الأوروبية التي تختنق من جراء الازمات في الممرات المائية في الشرق الأوسط.
أن المنطقة بشكل عام أمام تغيير جذري لم تشهده من قبل يمكن البناء عليه في تطوير علاقات التعاون والتكامل الاقتصادي العربي مع بقية الأقطار الإسلامية الأخرى، ليكون المشروع بداية حقيقية لربط دول المنطقة مع بعضها البعض كضرورة ملحة لتوثيق الروابط بينهما، على أمل أن يشمل المشروع توسيع شبكة سكة الحديد لتشمل العراق ولبنان، وبقية دول الخليج العربي، ليشكل اضافة نوعية لتوثيق الروابط البينية في النقل والتجارة، وغيرها، بل والاستفادة في مجال النقل اللوجستي وايجاد بدائل حيوية وأكثر مرونة في مواجهة دول المنطقة للتحديات، التي تواجهها، ليمنحها تنوع وخيارات أكثر مرونة تعالج من خلالها احتياجاتها بعملية ربط متنوعة وتعطيها خيارات متعددة الجوانب تمنحها الوصول دون عوائق تذكر بين وموانئ ومنافذ المنطقة بشكل عام دون الاقتصار على منفذ أو ميناء بعينه، وهذا التوسع يمنح دول المنطقة ريادة لا تضاهها، في عمليات النقل اللوجستي، ومنح اقتصاد المنطقة مرونة كبيرة في مواجهة المخاطر والتحديات المستقبلية.
أن عملية الربط السككي من شأنها أن تمنح المنطقة بشكل عام مفتاح الريادة في مجال النقل واللوجستيات، ويعطيها قوة أكبر من أي وقت مضى في الوصول إلى الأسواق بصورة قصيرة ومختصرة، تعطي موارد المنطقة موثوقية أكثر في الاستدامة والمرونة الحقيقية في الوصول إلى الأسواق دون انقطاع، وما يزيد من أهمية المشروع أكثر أمكانية ربطه بالموانئ اليمنية على المحيط الهندي والبحر الأحمر، مما سيضاعف من قيمة المشروع أكثر، لاسيما أن الموانئ اليمنية تمتلك قدرات تنافسية ومزايا لوجستية كبيرة ليس على مستوى المنطقة، بل على المستوى العالمي.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.

عن المرصد نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − 5 =